السعودية والإمارات في مستنقع اليمن..قصة تحول دراماتيكي في العلاقات
التحول الدرامي في العلاقات السعودية الإماراتية
في تصعيد هو الأخطر من نوعه منذ انطلاق “عاصفة الحزم” قبل عقد من الزمان، استيقظت المنطقة اليوم على وقع صدى مقاتلات سعودية تستهدف ما وصفته بـ “شحنة أسلحة خارجية” في ميناء المكلا اليمني. هذه الضربة ليست مجرد عملية عسكرية روتينية، بل هي إعلان صريح عن وصول التنافس السعودي الإماراتي إلى نقطة اللاتراجع، وتحول اليمن من ساحة لمواجهة النفوذ الإيراني إلى “مستنقع” لتصفية الحسابات بين الحليفين اللدودين.
اليمن: القشة التي قصمت ظهر التحالف
لطالما حاولت الدبلوماسية في الرياض وأبوظبي تغطية الشقوق في جدار التحالف، لكن أحداث ديسمبر 2025 كشفت المستور. بدأت الشرارة الحقيقية في الثامن من ديسمبر، عندما تجاوز “المجلس الانتقالي الجنوبي” المدعوم إماراتياً “الخط الأحمر” السعودي في حضرموت، وسيطر على حقول النفط الحيوية. بالنسبة للرياض، حضرموت هي امتداد لأمنها القومي؛ وبالنسبة لأبوظبي، هي موطئ قدم استراتيجي على بحر العرب.
كيف تآكلت “الشراكة الاستراتيجية”؟
- مرحلة “الخندق الواحد” (2011 – 2017)
في البداية، بدا أن محمد بن سلمان ومحمد بن زايد يقودان رؤية موحدة للمنطقة:
- 2011-2013: توحدت الرؤى ضد تيارات الإسلام السياسي، وتجلى ذلك في دعم التغيير في مصر.
- 2015: انطلاق التدخّل العسكري في اليمن؛ حيث تقاسمت الدولتان الأدوار (الجو للسعودية، والأرض للإمارات).
- 2017: بلغت الوحدة ذروتها بمقاطعة قطر، مما عكس تطابقاً تاماً في الأجندات الإقليمية.
- بداية التباين: الاستراتيجيات المنفصلة (2019 – 2021)
بدأت التصدعات تظهر مع اختلاف الأولويات:
- 2019: فاجأت الإمارات الجميع بسحب قواتها جزئياً من اليمن، متبنية استراتيجية “الوكلاء” عبر دعم المجلس الانتقالي، تاركة الرياض وحدها في مواجهة استنزاف الحرب مع الحوثيين.
- 2020: توقيع “اتفاقات إبراهيم” للتطبيع مع إسرائيل منح أبوظبي نفوذاً استثنائياً في واشنطن، بينما تمسكت الرياض بموقفها التقليدي، مما خلق فجوة في القوة الناعمة.
- الحرب الاقتصادية وكسر العظم (2021 – 2024)
انتقل الخلاف من الميدان العسكري إلى المحفظة المالية:
- الصراع التجاري: تحدت الرياض هيمنة دبي الاقتصادية بفرض نقل المقار الإقليمية للشركات إلى المملكة.
- خلاف أوبك: في يوليو 2021، ظهر الخلاف علناً حول حصص إنتاج النفط، حيث عرقلت الإمارات خطط السعودية، في سابقة تاريخية داخل المنظمة.
جبهات بديلة للصراع
لم يقتصر التوتر على اليمن؛ ففي أبريل 2023، كشفت الحرب السودانية عن تضارب حاد، حيث دعمت الرياض محادثات السلام والجيش السوداني، في حين تشير تقارير دولية إلى دعم إماراتي لقوات الدعم السريع.
لكن “زلزال حضرموت” في ديسمبر 2025 كان نقطة التحول. سيطرة حلفاء الإمارات على منابع النفط في شرق اليمن اعتُبرت في الرياض محاولة لخنق النفوذ السعودي في الفناء الخلفي للمملكة.
إلى أين تتجه الأمور؟
ما جرى اليوم في ميناء المكلا من قصف سعودي هو رسالة “ردع” واضحة وليست مجرد خطأ فني. المحللون يرون أن العلاقات دخلت مرحلة “المنافسة الصفرية”، حيث يعتقد كل طرف أن نفوذ الآخر ينتقص من مكانته:
- اقتصادياً: السعودية تسابق الزمن لتحقيق رؤية 2030 وتريد التحول لمركز لوجستي عالمي، وهو ما يهدد النموذج الإماراتي القائم منذ عقود.
- جيوسياسياً: تسعى الإمارات للسيطرة على الموانئ والممرات المائية (من عدن إلى القرن الأفريقي)، بينما تريد السعودية تأمين حدودها الجنوبية وضمان استقرار اليمن تحت مظلة “حكومة شرعية” تدور في فلكها.
الخلاصة: إن الضربة الجوية في 30 ديسمبر 2025 تمثل نهاية عهد “التحالف العضوي” وبداية عهد جديد من “الواقعية السياسية” الخشنة، حيث تصدم الطموحات الإقليمية السعودية بالاستراتيجية الإماراتية التوسعية في الموانئ، ويبقى اليمن هو الثمن الأكبر في هذه المعادلة الصعبة.
