أحمد الجــلالي
بينما كنا نتابع بشكل جماعي مسلسل “هل تسامحيني” المتعلق بمحاكمة توفيق بوعشرين، طلع علينا مسلسل “مقاطعة المواد السائلة”، لاحظوا معي كلها سائلة من المازوط إلى الحليب مرورا بسيدي علي بنحمدوش السائل.
بعيدا عن أية شوفينية أو تحامل أو سير مع الركب أو محاباة، فضلت أن أنحاز إلى قناعاتي في هذا الموضوع. والقناعة لا تكون بلا مبدأ. والمبدأ هنا يقتضي أن الناس أحرار في شراء ما يفضلون، وهم أيضا أحرار في ترك ما لا يريدون لكي “يروب” ــ وليس “يريب” المدينية ــ أو تركه يختر أو يخنز أو يصدي أو يتبخر أو “تبير” كما قال بعض أشرار الحملة عن الزواج.
المواد التي يقاطعها كثير من المغاربة اكتشفت أني مقاطع لها بالعادة: لا أملك ولن أملك سيارة وبالتالي لا علاقة لي بصلاصيونات أفريقيا أو آسيا، لا أشرب أيا من سيدي، أفضل ماء البيت في حنفية تفوح منها روح الخزف و “اللاتوخ”.
وفي سفرياتي آخذ مائي معي، ليس بخلا ولكن لأني أرى من باب التبذير من قبلي و “الترياش” من قبل أصحاب الماء أن أشتري “جغمة أو جغطة” ماء بثمانين ريال. أما الحليب فالداعي لكم بعدم العطش في رمضان المقبل، فلا علاقة لي بأي من شركاته إلا لماما، ذاك أني أفضل أن استهل إفطاري بالرايب البلدي من البقرة ديريكت للقدر. وعن موضوع الحليب دائما سمعت في طفولتي أن الحليب شريف و”يخرج” دوما في من يغش فيه أو به وأن عاقبة غشاشي الحليب بالغة السوء..يا لطيف.
سجلت أيضا عدم احترافية بل قل صبيانية بعض مسؤولينا الذين عوض تهدئة الأوضاع بالكلمة الطيبة والتبرير المعقول والوعد خيرا، فضوا إشعال الحملة بالتحدي والشتم الذي بلغ التخوين.
صبي صانطرال يستحق أن يحاكم محاكمة في إحدى محاكم مدننا القروية كي يحضر الفلاحون لمتابعة أطوارها ومن ثم يرى صاحبنا حقيقة من أين وكين يأتي الحليب.
بوسعيد يجب أن يعقد ندوة صحافية تدوم ساعتين يكون عنوانها الكبير: أعتذر، سامحوني، إيكسكيزي لوي..آي آآم سوري” فإن قبلها المغاربة فأنعم به وإلا فالباب يا أحباب.
وزير البر والبحر عليه بعمرة طيلة رمضان كي يستغفر قرب البيت المعمور وينسى هم الدنيا قليلا، فوالله يا سي عزيز، وحق كل قطرة مازوط أو حليب غالية عليك، فلن ينفعك شيء من حطام الدنيا، أنت في الثلث الأخير من عمرك ومراكمة المال لا تطيل عمرا بل تقصره لأن “تاروا ندونيت” تورث أمراضا وضغوطات ووساوس خطرة.خذ مني نصيحة: تفرغ للسياسة أو التجارة أو العمل الحكومي..مفراسكش أن التخلاط مضر؟
هذا عن المواد السائلة التي أنا من مقاطعيها قبل صنع “الفيسبوك”، فماذا عن المواد الأخرى التي أدعو ملايين المغاربة لمقاطعتها؟
قاطعوا الأنانية لأنها سبب ما تعيشونه من تعاسة منذ نعومة أظافركم، فهي الفيروس الخطير الذي لن ينعم البشر براحة من أي نوع مادام يسري في دمائهم.
قاطعوا “التكلبينة” لأن بين الرجولة وهذه الرذيلة سحابة سريعة المرور، فمن تكلبن يستحيل أن يصبح رجلا، إذ مجال للترقيع هنا.
قاطعوا الحكرة، لأن من يحتقر غيره ليس إنسانا بل هو مجرد مسخ يمشي في وادي ذي ضباب فهو فيه أعمى ينشد لحظة انقشاع السواد لن تأتي أبدا.
قاطعوا الحسد، انشغلوا بما يعنيكم وانسوا الآخرين، اهتموا بأموركم ودعوا غيركم وشأنه. ليسأل الحاسد نفسه ماذا كسب من حسده، وليقس درجة الشقاء في كل زفرة أو شهيق في بدنه.
قاطعوا النفاق والمنافقين، فما خرب بيوت كثيرين و جعل التخلف والأمراض تكثر سوى المنافقون، وما أفسد الصالحين من العباد بالزيف والكذب سوى هذه الفئة من الأبالسة.
قاطعوا الرشوة مهما كانت الظروف، فبهذا السلوك تصنعون الفاسدين بأيديكم وتهدمون كل لبنة معقول في هذه البلاد، بالرشوة تصنعون طواغيت صغيرة تتقوى عليكم بأموالكم عبر مراكمة السلطة والمال معا.
قاطعوا كل متسلط مغرور، لا تهتموا به ولا تقيموا له وزنا مهما كان مركزه إلى أن يعالج نفسه أو يهلك تحت ضغط عدم اكتراثكم به.
قاطعوا الإعلام التافه نهائيا، وعوضوا عادات الإدمان السيئة على خردة مسلسلاتهم بمطالعة كتب مسلية تثقيفية مفيدة.
قاطعوا الفساد الانتخابي الذي يجعل من بعضكم مجرد دجاج يتسابق على حبات القمح أو قردة تتصارع على حبات الموز.
قاطعوا “خصني ندير بحال جاري” فتلك بداية السقوط في مصيدة الديون ومشانق البنوك إلى نهاية العمر، عيشوا بساطتكم فليس في البهرجة أية رائحة للسعادة.
قاطعوا الأفكار والأحكام الجاهزة لأن اعتناقها كما هي يجعلكم منتجات معلبة بلا دماخ ولا روح ولا مادة رمادية.
قاطعوا الأحزاب والنقابات كي لا تجدوا أنفسكم في نهاية العمر تركضون خلف خيوط دخان مثل مجانين في سلسلة رسوم متحركة.
قاطعوا كل من يخون او يبشر بافكار فيها خيانة للوطن
قاطعوا السكوت عن حقكم ففي النهاية ما ضاع حق وراءه طالبه والمطالبة باحق المشروع ليس جريمة.
قاطعوا كل ميل للعنف بكل أشكاله لان كل التشوهات التي تعتري أديم بلادنا المغرب سببها بالضرورة نوع من العنف في حق الناس.
قاطعوا محتقري للمرأة، فمن يعنفونها يعقدونها ويصنعون بالتالي أمهات مريضات سينجبن ويربين أجيالا غير سوية لاحقا.
قاطعوا عقدة الأجنبي، فما عاد اليوم بيد الفرنسي ما كان يملكه حصريا قبل أربعين سنة، هم يحتاجوننا أكثر مما نحن بحاجة إليهم. أولوا بناء البلد العناية اللازمة ولتكن الأولوية لهم فهم قادرون على الإبداع.
قاطعوا الوهم واعتنقوا الحقيقة والعلم، فلم نتأذ من أحد مثلما آذانا تجار الوهم والدجالون في ثوب الصالحين.
قاطعوا التطرف بكل أشكاله وألوانه وثيابه، فالتطرف في النهاية ملة واحدة وثماره دوما مرة يتجرعها ملايين الشعب، وعلى هذه الملايين أن تقطع نبتات التطرف حيثما وجدت.
قاطعوا اللامبالاة و “ماشي سوقي” لأن السوق في النهاية سوقنا جميعا سواء ارتفعت أسعاره أم هبطت، علينا يعود خيره ونحن من يمسنا شره.
www.achawari.com
