“الليالي” بالمغرب: 40 يوماً من الصقيع:تراث شعبي و حقائق مناخية

الجانب المناخي والعلمي: الحقائق وراء برودة "الليالي"

الشوارع 

 ما هي فترة “الليالي”؟

تُعدّ فترة “الليالي” أو “الليالي السود” (Llayali) في الذاكرة الشعبية والتقويم الفلاحي المغربي، إحدى أهم وأبرد الفترات المناخية على مدار العام. هي أربعون يوماً شديدة البرودة تبدأ تقليدياً في 25 ديسمبر من كل عام وتستمر حتى 2 فبراير من العام التالي. تشتهر هذه الفترة بانخفاض درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، خاصة في المناطق الداخلية والجبلية، مع تزايد فرص هطول الأمطار الغزيرة والثلوج، مما يترك بصمته الواضحة على الحياة اليومية، الزراعة، والموروث الثقافي والاجتماعي في المغرب. هذه الفترة لا تُمثل مجرد تغير مناخي، بل هي أيضاً مناسبة تزخر بالحكايات والمعتقدات التي تناقلتها الأجيال.

 

  الجانب المناخي والعلمي: الحقائق وراء برودة “الليالي”

من منظور علمي، تتزامن فترة الليالي مع ذروة فصل الشتاء الفلكي في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، وتأتي مباشرة بعد الانقلاب الشتوي (Winter Solstice).

  1. تزامنها مع ذروة البرودة

تبدأ الليالي في فترة تكون فيها أشعة الشمس على المغرب أقل زاوية وميلاً، ما يعني انخفاض كمية الطاقة الشمسية الواصلة إلى الأرض. على الرغم من أن أقصر يوم (الانقلاب الشتوي) يحدث في 21 أو 22 ديسمبر، إلا أن أبرد فترة لا تتبعه مباشرة. يُفسر هذا التأخير الحراري بأن الأرض والمسطحات المائية تستغرق وقتاً لتفقد الحرارة التي اكتسبتها في الفصول السابقة، لتصل إلى أقصى برودة لها في أواخر ديسمبر ويناير.

  1. الكتل الهوائية القطبية

خلال هذه الفترة، يتزايد تأثير المرتفع الجوي الأزورّي (Azores High) وانخفاض الضغط الجوي فوق أوروبا، مما يدفع بالكتل الهوائية الباردة والقادمة من مناطق شمال الأطلسي أو حتى القطب الشمالي باتجاه حوض البحر الأبيض المتوسط وشمال أفريقيا، بما في ذلك المغرب. هذه الكتل هي السبب الرئيسي في الانخفاض الكبير لدرجات الحرارة، والصقيع الليلي الشديد (Frost).

  1. الأمطار والثلوج

تُعد الليالي فترة حاسمة لتراكم الغطاء الثلجي في جبال الأطلس الكبير والمتوسط، مثل إملشيل وأوكايمدن. هذا الثلج يمثل “خزان الماء” للمغرب، حيث يذوب تدريجياً في الربيع والصيف ليغذي السدود والأنهار، ويدعم الأمن المائي والزراعي. تشير الإحصائيات المناخية إلى أن يناير هو غالباً من بين أكثر الشهور أمطاراً وبرودة في معظم مناطق المغرب.

 

  التقسيم الفلاحي: “الليالي” و”العواشر”

لم يكتفِ الفلاح المغربي بتسمية الفترة كاملة بـ “الليالي”، بل قام بتقسيمها بدقة متناهية تعكس عمق الملاحظة والتجربة المناخية:

أ. الليالي السود (25 ديسمبر – 13 يناير)

  • المدة: 20 يوماً.
  • الخصائص: هي الأيام الأشد برودة، وتعرف بانخفاض درجات الحرارة نهاراً وليلاً، وغالباً ما تتخللها فترات صقيع وجليد. يُقال في المثل الشعبي: “الليالي السود، ما فيها لا والد ولا مولود”، كناية عن قسوة برودة هذه الأيام حتى على الكائنات الحية.

ب. الليالي البيض (14 يناير – 2 فبراير)

  • المدة: 20 يوماً.
  • الخصائص: على الرغم من استمرار البرد، إلا أنها تعتبر أقل قسوة من السود. قد تتخللها أيام مشمسة نسبياً، ولكن يظل الصقيع والبرد الليلي قائماً. تُعرف هذه الفترة أيضاً بـ “الليالي البيضاء” حيث قد يغطي الثلج الأبيض الأرض، أو قد تكون الليالي فيها مُقمرة وساطعة (حسب تفسير آخر).

بعد انتهاء الليالي في 2 فبراير، تبدأ فترة أخرى مهمة وهي “العواشر” (أو أيام العزارة/العنزرة) وهي 10 أيام، يليها “الحسوم” التي تمهد للخروج من الشتاء نحو الدفء.

 

الجانب الاجتماعي والثقافي: تدابير التكيّف والاحتفال بالدفء

تُعتبر الليالي فترة اختبار لقدرة المجتمع المغربي على التكيف مع قسوة الطبيعة، وتظهر فيها عادات وتقاليد متوارثة.

  1. المطبخ المغربي لمقاومة البرد

يتحول المطبخ المغربي خلال الليالي إلى مصدر للطاقة والتدفئة. تبرز أطباق غنية بالبروتينات والدهون والسعرات الحرارية الضرورية لمقاومة البرد، ومن أهمها:

  • الرفيسة: طبق مغربي دسم وغني بالبهارات مثل المساخن (رأس الحانوت)، ويُقدم مع الدجاج البلدي والحلبة والعدس. هو طبق مثالي للتدفئة.
  • العدس والفول والبصارة: هذه البقوليات الساخنة والمليئة بالطاقة تُعد وجبات أساسية وبأسعار معقولة لمكافحة البرد.
  • الشاي والحلويات الدافئة: زيادة استهلاك الشاي الساخن والمشروبات العشبية مثل الزعتر والزنجبيل، بالإضافة إلى بعض الحلويات مثل السفنج الساخن والدهني.
  1. العادات والملابس التقليدية

في المناطق الجبلية والباردة، تعود الملابس التقليدية لتثبت أهميتها وفعاليتها:

  • الجلباب الصوفي: هو الزي الأكثر انتشاراً، خاصة الجلباب المصنوع من الصوف السميك الذي يوفر عزلاً حرارياً طبيعياً ممتازاً.
  • البرنس الأمازيغي: غطاء للرأس والجسم يُستخدم بشكل كبير لحماية الفلاحين والرعاة من الصقيع والرياح القارسة.
  • إحياء الليالي: في بعض القرى، تُقام “الليالي” كمناسبة اجتماعية لاجتماع العائلات حول المدفأة التقليدية (الكانون) لتبادل الحكايات والأشعار الشعبية وتناول الوجبات الساخنة.

 

الجانب الفلاحي والاقتصادي: الليالي حياة للزراعة

بالنسبة للفلاح المغربي، لا تُعد “الليالي” نقمة بل ضرورة حيوية؛ هي فترة “الحيا” (الحياة) وتجديد الأرض.

  1. أهمية البرد للنباتات

البرودة الشديدة والصقيع ضرورية لعدة محاصيل، خاصة في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط. فعلى سبيل المثال:

  • سكون الشجرة: البرد يفرض مرحلة “سكون” (Dormancy) على الأشجار المثمرة كاللوز والزيتون، وهي فترة راحة ضرورية لتتمكن الشجرة من التزهير الجيد في الربيع.
  • تكسير السكون: تحتاج الأشجار إلى عدد معين من “ساعات البرودة” تحت درجة حرارة $7^{\circ}C$ لتكسير سكون البراعم. بدون هذه الساعات، يكون إنتاج المحاصيل ضعيفاً أو معدوماً.
  • قتل الآفات: الصقيع الشديد يساعد في القضاء على العديد من الآفات والحشرات الضارة التي قد تؤذي المحاصيل في المواسم الدافئة.
  1. تحديات “الليالي” على الفلاحة

في المقابل، يمثل الصقيع تحدياً للمحاصيل الحساسة، خاصة في السهول والمناطق التي لا تتعرض للثلج. قد يؤدي الصقيع المفاجئ إلى إتلاف المحاصيل الباكورية كالخضروات الورقية أو الفواكه المبكرة، مما يتطلب من الفلاحين اتخاذ تدابير حماية مثل:

  • البيوت البلاستيكية (البيوت الزجاجية): لحماية الزراعات المبكرة.
  • الري بالرش: في بعض الأحيان، يتم رش الماء على النباتات لإنشاء طبقة جليدية عازلة تحمي الأنسجة الداخلية للنبتة من التجمد.

 

  “الليالي” بين العراقة والمستقبل المناخي

تبقى فترة “الليالي” في المغرب أكثر من مجرد تسجيل لدرجات الحرارة؛ إنها جزء أصيل من التراث المغربي، وذاكرة جماعية تتحدث عن صراع الإنسان وتكيفه مع الطبيعة. إنها فترة مفصلية تحدد مصير الموسم الفلاحي وتُساهم في الأمن الغذائي للمملكة.

في ظل التغيرات المناخية الحديثة، أصبح الفلاحون والمواطنون يلاحظون تقلبات في توقيت وشدة الليالي، حيث قد تتأخر البرودة أو تقل حدتها. ومع ذلك، يظل التقويم الفلاحي التقليدي هو المرجع الأساسي، وتستمر العائلات المغربية في الاستعداد لهذه الفترة بالاحتفاء بأطباقها الدافئة وتقاليدها العريقة، مؤكدة على العلاقة الوثيقة بين الإنسان، والأرض، وتقلبات السماء.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد