بين هتافات استهجان وصفير هز الملعب عقب تعثر ه أمام “مالي”، وهتافات فخر زلزلت المدرجات بعد تألق ضد “زامبيا”، لا يرسم هذا المشهد مجرد نتائج كروية، بل يكشف عن مرآة جماعية تعكس آليات معقدة من الإسقاط النفسي والعدوى الانفعالية. إنها قصة علاقة مركبة، بطلها وليد الركراكي وجمهور أصبح لا يقبل بأقل من المعجزات.
قصة الصعود والنزول:
لم تكن المسافة بين مباراتي مالي وزامبيا مجرد بضعة أيام في مفكرة “الكان”، بل كانت رحلة سيكولوجية شاقة قطعها المشجع المغربي بين نقيضين: غضب عارم وإحباط سائل، ثم فرح طافح واعتزاز مبرر. هذا “التذبذب الوجداني” يضعنا أمام تساؤلات جوهرية حول طبيعة علاقتنا بمنتخبنا الوطني: هل نحب “الأسود” أم نحب “صورة ذواتنا” من خلالهم؟
- لماذا نحمل الركراكي إحباطاتنا؟
يوضح الأخصائيون النفسيون أن اختلاف ردود فعل الجمهور المغربي يرتبط بآليات “سلوك الجماعات”. فحين يغيب التوفيق، يتم تفعيل الإسقاط النفسي؛ حيث تُوجه كل خيبات الأمل الشخصية والاجتماعية نحو هدف خارجي: المدرب وخياراته.
- في حالة الغضب: يصبح الركراكي واللاعبون “كبش فداء” لآمال عريضة لم تتحقق، ويظهر ذلك في الشارع والمقاهي ومنصات التواصل الاجتماعي.
- في حالة الفرح: يتحول المدرب إلى “بطل قومي” وتُسقط عليه مشاعر الفخر والكمال، وتختفي كل العيوب التقنية خلف بريق الانتصار.
- كيف تقود “السوشيال ميديا” مزاج المغاربة؟
ظاهرة العدوى الانفعالية هي المحرك الأساسي لتقلبات الجمهور. إذا بدأ “ترند” الانتقاد أو السب على فيسبوك وإكس (تويتر سابقاً)، ينجرف الجميع خلفه تلقائياً. وبالمثل، إذا ساد الثناء، تعم حالة من الرضا الجماعي. هذا التجييش الرقمي يجعل من الصعب الحفاظ على “وسطية” في التقييم، فإما الرفع إلى السماء أو الخسف إلى الأرض.
- ضريبة “ملحمة قطر 2022”
يرى المحللون أن الحالة المغربية تتسم بخصوصية تسمى “صدمة التوقعات العالية”. فبعد الإنجاز التاريخي في مونديال قطر، تأسس تصور نفسي يرى المغرب “عملاقاً لا يقهر”.
- تضخم سقف الطموح: أصبح التعادل يُنظر إليه كخسارة مريرة.
- غياب الثقافة الرياضية: هناك حاجة لترسيخ فكرة أن كرة القدم تحتمل الفوز والخسارة، وأن “المنتخب الكبير” قد يمر بلحظات ضعف طبيعية.
- المنتخب كرمز لـ “اكتمال الذات”
بالنسبة للكثيرين، المنتخب ليس مجرد فريق، بل هو رمز للانتماء والتباهي. أي تراجع في الأداء يُستقبل كنوع من “الخذلان الشخصي”، تماماً كما يشعر الفرد بالخيبة حين يخذله شخص قريب جداً منه. هنا، يتحول الركراكي من مدرب تقني إلى “قائد عاطفي” مسؤول عن الحالة المزاجية لشعب بأكمله.
تأثير ضغط الجماهير على “مطبخ” الركراكي
هل تصل هذه الأصوات لوليد الركراكي؟ الإجابة نعم. فرغم الرقابة على هواتف اللاعبين، إلا أن الضغط يتسرب عبر:
- الندوات الصحافية: حين ينقل الصحفيون استياء الشارع للمدرب.
- التسويق الرقمي: التقارير التي ترفع للطاقم التقني حول نبض الجمهور.
هذا الضغط قد يكون إيجابياً لتصحيح المسار، أو سلبياً إذا أدى بالمدرب لمحاولة “إرضاء الجمهور” على حساب القناعات التكتيكية.
خلاصة القول: إن نضج المنتخب المغربي على أرضية الملعب يجب أن يوازيه نضج جماهيري في المدرجات وخلف الشاشات. التشجيع في السراء والضراء هو ما يصنع الاستقرار النفسي اللازم لتحقيق الألقاب القارية القادمة.
