رشيد مربي الدجاج..أمازيغي نافس “دياز”.. اسألوا المؤثر السعودي خالد العليان

أحمد الجـَـــلالي

هل تتذكرون ذلك الشاب الأمازيغي الذي أعطى فتاتين فرنسيتين الخبز ورفض المقابل؟ طبعا هي قصة لا تنسى ولكنها ليست استثناء مغربيا أمازيغيا، و هاهو  اليوم شاب أمازيغي آخر، في قلب جبال الأطلس يؤكد أن الكرم المغربي هو الأصل، إنه رشيد مربي الدجاج صاحب العنزة “خربوشة”.

كاتب البسطاء:

هل من معنى لأن أكتب عن شاب في قلب الثلوج مع الماعز والدجاج، في وهدة الفقرة، بينما غيري يكتب عن مآلات السياسة والجيوستراتيجية بعد “ترحيل” أخنوش عن المشهد الحزبي والسياسي؟

طبعا، كل المعنى في أن أخصص وقتي وجهدي للكتابة عن شاب يبدو بسيطا جدا، ولكن غير ذلك على الإطلاق: رشيد وأمثاله هم من يمارسون السياسة والتحدي الحقيقيين.

أخنوش وأمثاله إلى النسيان أو التذكر المقرون بالغصة إن تذكرهم أحد أما رشيد مربي الدجاج في عمق الجبال ومن هم على سيرته وثقافته هم الباقون وهم الخالدون وهم الشامخون شموخ جبال الأطلس.

بينما كان نجوم الكرة يكتبون تاريخهم وتاريخ الرياضة المغربية والأفريقية في ملاعب كرة القدم التي تزينت لاحتضان الكان وتستعد لاحتضان المونديال، كان شاب مغربي فقير يتدى الثلوج والبرد القارس وقسوة الحياة ليكتب تاريخا مغربيا لن يلتفت إليه مؤرخو الخمسة نجوم، ولا بأي حال من الأحوال.

شمس تسطع من عدم:

في وقت تألق فيه نجم شاب مغربي أنيق ومهذب اسمه إبراهيم دياز ( أو سي إبراهيم عن جدارة واستحقاق)، وتم تغييب نجم أسطوري اسمه حكيم زياش، ولا أدري الحكمة من كل هذا الجحود، طلعت شمس المواطن رشيد أوعباس من بين قمم الجبال المكسوة بثلوج في موسم أمطار استثنائي.

رشيد لا يملك من حطام الدنيا سوى منزل طيني به بعض الغرف وحظيرة تؤدي ماعزه و دجاجه من ثلوج وشتاء رهيبة، وحمار وبغل وبعض مستلزمات حياة يومية جبلية صعبة في طقس شتوي أصعب.

قبل أن يخاطبنا رشيد خاطب معزته الأثيرة “خربوشة”، ويا لروعة ودلالة الإسم رمزيا و فونولوجيا، تخليدا لسيرة نسل “الخرابيش” في أودية الجبال ومنعرجاتها الوعرة.

أطل على المغاربة، رشيد مربي الدجاج والماعز، عبر فيديوهات عفوية بسيطة ليس فيها تكلف ولا حذلقة ولا ادعاء ولا تصنع: ابن الطبيعة يتحدث للمغاربة بدارجتهم..على الطبيعة.

هناك هالة من بساطة وصدق وطهر وعفوية تلف هذا الشاب إنسانيا ومظهرا ومضمونا وتواصلا. حتى حركاته عندما لا يعرف كيف يعبر عن فكرة تكون كلاما غير ناطق وتصل المعاني عبرها.

توالت يوميات رشيد مربي الدجاج فحققت أرقاما قياسية على منصة “فيسبوك” ودخل بيوت المغاربة وهو يهيئ خبزا أو يحفر الثلج لاستخراج ماء أو يقدم طعاما لدجاجه أو “خرابيشه” الجميلة.

كل فيديوهات رشيد فقرات من كتاب يوميات تشبه يوميات ملايين المغاربة من سكان الجبال ومعاناتهم مع حياة تفتقر لأبسط شروط الراحة. فيديوهات أوعباس كتاب مفتوح قرأه ملايين المغاربة، منهم من ترك تعليقا مكتوبا ومنهم من ترك تعليقا “مكتوما”.

في قلب جبال الأطلس

شهرة تخطت الحدود:

لم يكن المغاربة فقط من يتابعون رشيد مربي الدجاج، بل كانت أعين العالم العربي عليه. الدليل أن المؤثر السعودي خالد العليان قرر أن يحل ضيفا على أخينا رشيد، ويا لحسن النية والطالع، فقد تم اختيار العليان أفضل مؤثر في المنطقة العربية وشمال أفريقيا بينما كان يزدرد الكسكس بالكرداس في بيت رشيد بعمق جبال الأطلس.

نعم قرر الشاب السعودي العليان، وهو أشهر من نار على علم، أن يخوض تجربة مشاركة رشيد حياته لبضعة أيام حيث هو، فماذا كان؟

ــ التقى المشرق العربي بكل حمولته الثقافية مع المغرب الأمازيغي بتقاليده وروحه الضاربة في أعماق الأرض والتاريخ، فسجل رشيد وخالد وثيقة صالحة لمن يريد دراسة الأنثربولوجيا وعلم الاجتماع وعلم النفس.

ــ تم وضع ثقافتين مختلفتين، ولهما قواسم أخرى مشتركة، في تجربة تعايش ميداني بكل تفاصيله اليومية، فأتيحت فرصة مشاهدة التفاعل والتواصل والتكامل والتعايش..

ــ  فاضت القيم الأمازيغية، على طبيعتها، جودا وإكراما للضيف وسهرا على راحته بما في ذلك من تكريم عبر صب الماء على الأيدي لغسلهما قبل الأكل، فوق نحاس خالص نظيف مشع بطاقة تشبه طاقة أهل الأرض.

ــ لم يكن خافيا تأثر خالد العليان، المتواضع المهذب ميسور الحال، ولعل اللغة العربية لم تسعف ابن الجزيرة العربية ليعبر عن ذلك، ليس نقصا في فصاحة ولكن لأن المعاني كبرت فضاقت العبارات.

رسائل بليغة:

ربما لم يكن لا رشيد ولا خالد يدركان كل ما يصنعان بنفسيهما، ومن خلالهما بشعوب شمال أفريقيا والشرق الأوسط: لقد كانا يلقنان الدروس بلا مقررات، ويصنعان المقررات في غفلة من وزارات التربية والتعليم الفاشلة في أوطاننا.

خالد ورشيد، بجهازي هاتف فقط، وبلا مخرج أو سيناريست أو “سكريبت” ضربا لنا مثالا حيا عن الإعلام البديل التوثيقي، متجاوزين ترهات معاهد الصحافة والإعلام النظرية وفاضحين جريمة استهلاك الإعلام الرسمي في بلداننا ملايير الدولارات من أجل دعاية فجة قبيحة.

شكرا خالد العليان وحللت أهلا في المغرب بين أشقائك، وبوركت حين فكرت في زيارة رشيد حيث هو ومنحته فرصة مزيد من التألق والشهرة.

شكرا رشيد أوعباس، مربي الدجاج والماعز…وصاحب إعادة التربية ــ دون قصد ــ لبعض الآدمين من كائنات السوشال ميديا في زمننا هذا الذي نال المسح الحديث من كثير من ملامح وجهه المغربي/العربي/الأمازيغي المليح.

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد