مع التوسع غير المسبوق للمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، دخلت الثقافة العربية مرحلة جديدة من التحول والاختبار. فلم تعد الهوية تُصاغ فقط في المدارس والكتب والصحف، بل باتت تتشكل بشكل متسارع داخل فضاءات رقمية تتحكم فيها الخوارزميات، وتُحدَّد فيها القيمة بعدد المشاهدات وسرعة الانتشار.
هذا الواقع يطرح سؤالًا محوريًا: هل ما زالت الهوية العربية قادرة على الحفاظ على صوتها الثقافي، أم أنها تتعرض لتآكل تدريجي في خضم العولمة الرقمية؟
المنصات الرقمية وتأثيرها على المشهد الثقافي العربي
أصبحت منصات مثل فيسبوك، يوتيوب، تيك توك، وإنستغرام المصدر الأول لاستهلاك المحتوى لدى شرائح واسعة من الجمهور العربي، خصوصًا فئة الشباب. غير أن طبيعة هذه المنصات تفرض نموذجًا ثقافيًا محددًا يقوم على:
- المحتوى السريع والقصير
- الصورة على حساب الفكرة
- الإثارة بدل العمق
وهو ما جعل المحتوى الثقافي الجاد، المكتوب باللغة العربية الفصحى، يواجه صعوبة في المنافسة والانتشار مقارنة بالمحتوى الترفيهي أو المستورد.
اللغة العربية بين التراجع والتكيّف الرقمي
تشير ملاحظات المتابعين والباحثين إلى أن اللغة العربية تشهد تحولات واضحة في الفضاء الرقمي، من أبرزها:
- تراجع استخدام العربية الفصحى لصالح اللهجات
- انتشار لغة هجينة تجمع بين العربية والإنجليزية
- تبسيط مفرط في التعبير على حساب الدقة والثراء اللغوي
ويرى مختصون أن هذا التحول، وإن كان طبيعيًا في سياق التطور التكنولوجي، يطرح إشكالات حقيقية حول دور اللغة كحامل أساسي للهوية الثقافية.
هل تراجعت الثقافة المحلية فعلًا؟
رغم التحديات، لا يمكن الحديث عن اختفاء الثقافة العربية من الفضاء الرقمي. فقد شهدت السنوات الأخيرة بروز أشكال جديدة من التعبير الثقافي، من بينها:
- قنوات معرفية عربية تحظى بمتابعة واسعة
- بودكاستات تناقش قضايا الفكر والتاريخ
- محتوى رقمي يعيد إحياء التراث الشعبي والذاكرة الجماعية
هذه المبادرات تؤكد أن المنصات الرقمية ليست بالضرورة أداة طمس للهوية، بل يمكن أن تتحول إلى وسيلة لإعادة إنتاج الثقافة بآليات جديدة.
الخليج وشمال إفريقيا
في دول الخليج، ساهم الدعم الرسمي والاستثمار الإعلامي في تعزيز حضور المحتوى المحلي، خاصة في مجالات التراث والهوية الوطنية.
أما في بلدان شمال إفريقيا، فقد برزت اللهجات المحلية والتاريخ المتعدد كعناصر رئيسية في الخطاب الثقافي الرقمي، ما أضفى تنوعًا على المشهد، وإن أثار جدلًا حول موقع الفصحى.
ورغم اختلاف السياقات، يبقى التحدي مشتركًا: كيف يمكن تقديم محتوى ثقافي عربي يحافظ على الخصوصية دون الانغلاق؟
مستقبل الثقافة العربية
مع تسارع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى، تتجدد المخاوف بشأن حضور اللغة العربية والثقافة المحلية في هذا المجال. غير أن خبراء يرون أن الذكاء الاصطناعي قد يشكل فرصة، لا تهديدًا، إذا ما تم:
- تطوير نماذج لغوية عربية قوية
- دعم المحتوى المحلي عالي الجودة
- إشراك المبدعين العرب في صناعة التكنولوجيا لا استهلاكها فقط
استراتيجية ثقافية رقمية عربية
يشدد مهتمون بالشأن الثقافي على أن حماية الهوية العربية لا تعني مقاومة التكنولوجيا، بل تستوجب:
- تشجيع الإنتاج الثقافي الرقمي
- تعزيز تعليم اللغة العربية بوسائل حديثة
- دعم صناع المحتوى الجاد
- ترسيخ الوعي النقدي لدى الجمهور
فالثقافة، كما يؤكدون، كائن حي يتطور أو يضمحل حسب بيئته.
خلاصات
في زمن المنصات الرقمية، لا تواجه الهوية العربية خطر الزوال بقدر ما تواجه اختبار القدرة على التكيّف والبقاء. فإما أن تكون الثقافة العربية فاعلًا داخل الفضاء الرقمي، يعيد صياغة نفسه بلغته وقيمه، أو تظل هامشية في عالم تحكمه الخوارزميات.
المعركة اليوم ليست ضد التكنولوجيا، بل من أجل امتلاك السردية الثقافية العربية داخلها.
