الشوارع
تتجه الأنظار صوب العاصمة الأمريكية واشنطن، حيث تتبلور ملامح نظام أمني جديد للشرق الأوسط برعاية الرئيس دونالد ترامب. وفي خطوة تعكس الثقل الاستراتيجي للمملكة المغربية، أعلن وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة عن انخراط الرباط الفعلي والميداني في “قوة الاستقرار الدولية” بقطاع غزة، وهو الإعلان الذي يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول طبيعة “مجلس السلام” الجديد ومستقبل المنطقة.
مجلس السلام: هل هو بديل لمجلس الأمن؟
يأتي ظهور “مجلس السلام” في سياق انتقادات ترامب المستمرة لآليات الأمم المتحدة التقليدية.
- تجاوز البيروقراطية: يبدو أن هذا المجلس صُمم ليكون أداة تنفيذية سريعة، بعيداً عن “الفيتو” والتعقيدات الدبلوماسية في نيويورك.
- التمويل والمبادرة: المبادرة المغربية بتقديم “أول مساهمة مالية تاريخية” للمجلس تعطي دفعاً شرعياً لهذه الآلية الجديدة، وتؤكد رغبة القوى الإقليمية في إيجاد حلول عملية خارج الأطر التقليدية التي لم تنجح في إنهاء النزاع طيلة عقود.
تفاصيل الدور المغربي: من الدبلوماسية إلى الميدان
لم يعد الدور المغربي مقتصرًا على الوساطة السياسية، بل انتقل إلى مرحلة “الدعم العملياتي” المباشر، وهو ما لخصه الوزير بوريطة في عدة نقاط:
- الدعم الأمني والتدريبي
تعهد المغرب بنشر أفراد من الشرطة المغربية لتولي مهام تدريب القوات المحلية في غزة. هذه الخطوة تهدف إلى بناء جهاز أمني فلسطيني مهني قادر على ضبط الاستقرار الداخلي، مع إيفاد ضباط متخصصين للانضمام إلى قوة الاستقرار الدولية.
- المبادرة الإنسانية والطبية
كما هو معهود في السياسة الخارجية المغربية، سيعمل المغرب على إنشاء مستشفى ميداني متكامل، وهي تجربة نجحت فيها المملكة سابقاً في غزة وفي مناطق نزاع متعددة، مما يوفر غطاءً إنسانياً ضرورياً لنجاح المهمة الأمنية.
- حرب “الأفكار”: مكافحة خطاب الكراهية
أعلن بوريطة عن إطلاق برنامج لمكافحة خطاب الكراهية وتعزيز قيم التعايش. هذا “القوة الناعمة” تهدف إلى معالجة الآثار النفسية للنزاع وضمان عدم عودة التطرف للواجهة.
عوامل النجاح: رؤية العشرين نقطة
شدد المغرب على أن النجاح ليس مضموناً دون شروط موضوعية، لخصها بوريطة في أربعة عوامل:
- المرحلة الثانية من خطة العشرين نقطة: ضرورة الالتزام الدقيق بالجدول الزمني لضمان الانتقال السلس للسلطة.
- استقرار الضفة الغربية: اعتبرها بوريطة الركيزة التي لا يمكن الاستغناء عنها؛ إذ لا يمكن تحقيق سلام في غزة بينما الضفة تشتعل.
- شرعية السلطة الفلسطينية: التمسك بالمؤسسات الشرعية كخيار استراتيجي وحيد.
- القيادة الأمريكية: الإشادة بقدرة الرئيس ترامب على فرض “سلام الشجعان”.
الفوائد والمخاطر: ميزان الربح والخسارة
الفوائد للمغرب:
- تكريس الريادة الإقليمية: يعزز المغرب مكانته كشريك موثوق ولا غنى عنه للولايات المتحدة في الملفات الكبرى.
- تثبيت التوازنات: الوجود الميداني يمنح المغرب صوتاً مسموعاً في صياغة مستقبل القضية الفلسطينية، بما يخدم مصالحه الوطنية والقومية.
المخاطر والتحديات:
- التعقيد الميداني: غزة بيئة أمنية شديدة السيولة، وأي احتكاك ميداني قد يضع القوات الدولية في مواجهات غير محسوبة.
- الاستقطاب السياسي: قد يواجه “مجلس السلام” معارضة من قوى دولية (مثل روسيا أو الصين) التي قد تراه تهميشاً لدور الأمم المتحدة.
الخلاصة
يمثل الإعلان المغربي منعطفاً حاسماً؛ فهو من جهة يؤكد التحالف الاستراتيجي (الرباط-واشنطن)، ومن جهة أخرى يضع المملكة في قلب عملية “صناعة السلام” في أكثر بقع العالم تعقيداً. إن نجاح هذه الرؤية يتوقف على مدى قدرة “مجلس السلام” على التحول من منصة خطابية إلى قوة تنفيذية قادرة على تغيير الواقع على الأرض.
