الشوارع
كشف تقرير “طاليس 2024” (TALIS) عن أرقام صادمة تعكس واقع المهنيين في قطاع التعليم بالمملكة المغربية، حيث سجل الأساتذة المغاربة مستويات متدنية جداً من الرضا فيما يتعلق بالجانب المادي. وتأتي هذه المعطيات لتضع المغرب ضمن قائمة الدول الأقل رضا عن أجور المدرسين عالمياً، خاصة في السلك الابتدائي، حيث عبر 21% فقط من الأساتذة عن رضاهم عن رواتبهم، بينما يرتفع هذا القلق في السلك الإعدادي ليصل إلى مستويات تفوق معدلات دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.
مفارقة الرضا المهني والواقع المادي بين القطاعين العام والخاص
رغم الاستياء الواضح من الأجور، تبرز دراسة “طاليس” مفارقة مثيرة للاهتمام؛ إذ يصرح أغلب الأساتذة المغاربة برضاهم العام عن مهنتهم كرسالة، حيث يرى 72% من أساتذة الإعدادي وأكثر من 73% في الابتدائي أن إيجابيات المهنة تفوق سلبياتها. إلا أن هذا الرضا “المعنوي” يصطدم بواقع ظروف العمل، خاصة عند المقارنة بين التعليم العمومي والخصوصي.
فقد أظهر التقرير أن 67% من أساتذة القطاع الخاص راضون عن ظروف عملهم، مقابل 29% فقط في التعليم العمومي، بفارق شاسع يصل إلى 38 نقطة. كما يظهر الفارق في الأجور جلياً، حيث يعبر 46% من أساتذة الإعدادي في الخصوصي عن رضاهم المادي مقابل 18% فقط في القطاع العام، مما يسلط الضوء على تباين السياسات التحفيزية بين القطاعين.
الضغط النفسي مقابل الإرهاق الجسدي: التوازن المفقود
يقدم المغرب وضعاً فريداً في تقرير “طاليس” فيما يخص الآثار الصحية على المدرسين؛ فبينما يسجل الأساتذة انخفاضاً نسبياً في مستوى الضغط النفسي المصرح به (13% فقط يشعرون بضغط كبير)، إلا أنهم يعانون من إرهاق جسدي حاد وانخفاض واضح في الوقت الشخصي المتاح. وينتمي المغرب إلى مجموعة الدول التي يتميز مدرسوها بـ “إجهاد انفعالي منخفض” لكنه يقترن بـ “إجهاد جسدي قوي”، وهو وضع يختلف عن دول مثل أستراليا التي يرتفع فيها الضغط النفسي، أو فنلندا التي تحقق توازناً مثالياً بين الحياة المهنية والشخصية. هذا الإرهاق الجسدي يبلغ ذروته في التعليم الابتدائي، حيث تتزايد الأعباء البدنية نتيجة الكثافة والجهد المبذول داخل الفصول الدراسية.
المهام الإدارية وانضباط التلاميذ: مصادر التوتر اليومي
تعد كثرة المهام البيداغوجية والإدارية خارج ساعات التدريس الرسمية المصدر الأول لإرهاق الأستاذ المغربي. وتشير الأرقام إلى أن 63% من أساتذة الإعدادي يشعرون بالإرهاق بسبب إعداد الدروس، و70% بسبب تصحيح الفروض، وهي نسب تتجاوز المعدل الدولي لـ TALIS. وفي السلك الابتدائي، تشتد الأزمة لتصل نسبة الإرهاق بسبب التصحيح إلى 81.5%.
ولا يتوقف الأمر عند الأعباء الإدارية، بل يمتد إلى تحديات الانضباط داخل القسم؛ حيث يجد 67% من الأساتذة أن الحفاظ على النظام عملية “مرهقة جداً”، وتزداد هذه الضغوط في الأقسام غير المتجانسة التي تضم تلاميذ يعانون من صعوبات لغوية أو سوسيو-اقتصادية، مما يجعل تدبير التنوع داخل الفصل تحدياً يومياً يستنزف طاقة المدرس المغربي.
