البرهتية: لغز “العهد القديم” بين الموروث الروحاني والتحليل العلمي
الشوارع ــ المحرر
تعد ” الدعوة البرهتية “ واحدة من أكثر النصوص إثارة للرعب والفضول في التراث الروحاني العربي. يطلق عليها البعض “العهد القديم” أو “الكبريت الأحمر”، وتُحيط بها هالة من القدسية لدى المشتغلين بالعلوم الخفية، بينما يراها العقلانيون محض دجل وطلاسم لا معنى لها. فما هي حقيقة هذه الأسماء؟ ولماذا ارتبطت دائماً بالخوارق مثل صرف العمار واستخراج الكنوز؟
أولاً: ما هي البرهتية؟ وهل هي علم أم دجل؟
البرهتية هي منظومة تتكون من 28 اسماً، يُزعم أنها أسماء إلهية بلغات قديمة. حسب المعتقد الروحاني، فإن لكل اسم منها تصريفاً خاصاً وقوة تأثيرية على العالم غير المرئي.
- من وجهة نظر تراثية: تُصنف البرهتية كـ “أم الدعوات” في الروحانيات، ويُعتقد أن الحكماء القدامى مثل آصف بن برخيا (وزير النبي سليمان) استخدموها.
- من وجهة نظر علمية وعقلانية: تقع البرهتية في منطقة “العلوم الزائفة” (Pseudo-science). لا يوجد دليل أثري أو تاريخي يثبت أن هذه الكلمات تمتلك قوة فيزيائية. إنها تمثل ظاهرة سيكولوجية واجتماعية تعتمد على سلطة الغموض وتأثير الإيحاء النفسي على العقل البشري.
ثانياً: بأية لغة كتبت الدعوة البرهتية؟
عند تحليل كلمات مثل (برهتية، كرير، تتليه، طوران…)، نجد تضارباً كبيراً في تحديد أصلها اللغوي. يزعم المشتغلون بها أنها:
- اللغة السريانية: وهي اللغة التي كانت سائدة في الهلال الخصيب، وكثيراً ما تُنسب إليها النصوص الغامضة لإضفاء طابع العراقة.
- اللغة العبرية القديمة: نظراً لارتباطها بقصص النبي سليمان عليه السلام.
- اللغة اليونانية أو القبطية: لوجود بعض المخارج الصوتية المشابهة.
الحقيقة اللسانية: يرى اللغويون أن هذه الأسماء هي “رطانات” (Gibberish) أو كلمات محرفة عبر القرون. قد تكون أصولها كلمات مقدسة في ديانات قديمة، لكنها تعرضت لتحريف صوتي هائل جعلها تخرج من سياق لغوي مفهوم إلى سياق “طلسمي” يعتمد على الجرس الموسيقي للكلمة وليس معناها المعجمي.
ثالثاً: لماذا يحيط بها كل هذا الغموض؟
الغموض هو “رأس مال” البرهتية، وهو ما يضمن استمراريتها. يعود هذا الغموض لعدة أسباب:
- شروط الرياضة الروحانية: يزعم مروجوها أنها تتطلب خلوة، وصياماً عن الروح، وبخوراً معيناً، مما يجعل تجربتها صعبة على الشخص العادي.
- التحذير من الخطأ: يُشاع أن الخطأ في نطق حرف واحد قد يؤدي إلى الجنون أو الهلاك، وهذا نوع من “الحماية الذاتية” للنص؛ فإذا فشلت الدعوة، يُلقى اللوم على المستخدم وليس على النص.
- الانتقال السري: ظلت هذه النصوص تُتداول في “مخطوطات” سرية ومن شيخ إلى تلميذه، مما منع تعرضها للنقد العلني لفترات طويلة.
رابعاً: علاقتها بصرف العمار واستخراج الكنوز
في الموروث الشعبي، لا يمكن القيام بأي عمل “روحاني” كبير دون البرهتية، خاصة في مجالين:
- صرف العمار
يُقصد بـ “العمار” الكائنات غير المرئية التي تسكن البيوت. ويُزعم أن الأسماء الأولى من البرهتية تمتلك ترددات صوتية تجبر هذه الكائنات على مغادرة المكان مؤقتاً ليتسنى للساحر أو الروحاني العمل دون تشويش.
- استخراج الكنوز والمطالب
ارتبطت البرهتية بأسطورة “الرصد” (الجن الذي يحرس الكنوز المدفونة). يُعتقد أن تلاوة هذه الأسماء بتركيبة معينة هي “الشفرة” التي تفك الرصد وتجعل الكنوز تظهر على سطح الأرض.
ملاحظة أنثروبولوجية: هذه الممارسات تعكس رغبة الإنسان الأزليّة في الحصول على الثروة السريعة والسيطرة على القوى الطبيعية والغيبيّة بوسائل غير مادية.
خامساً: كيف يمكن تفكيك البرهتية علمياً؟
إذا أردنا تحليل الظاهرة بعيداً عن الأساطير، يمكننا استخدام ثلاث زوايا علمية:
- علم النفس (Psychology)
تعتمد البرهتية على “التنويم الإيحائي”. تكرار كلمات غريبة بجرس موسيقي معين في مكان مظلم مع بخور ذو رائحة نفاذة، يؤدي إلى إدخال الدماغ في “حالة وعي مغايرة” (Altered State of Consciousness)، حيث يبدأ الشخص برؤية هلاوس بصرية أو سمعية يفسرها على أنها استجابة للدعوة.
- الأنثروبولوجيا (Anthropology)
البرهتية هي “بقايا ثقافية” لنظم سحرية قديمة. هي محاولة بشرية لتنظيم العالم الغامض عبر تسميته. الأسماء الـ 28 تقابل في الحقيقة منازل القمر الثمانية والعشرين، مما يربطها بعلم الفلك القديم الذي تحول مع الوقت إلى تنجيم وسحر.
- النقد التاريخي
تفتقر البرهتية إلى سند تاريخي متصل. أغلب المخطوطات التي ذكرتها تعود لقرون متأخرة (مثل شمس المعارف للبوني)، وهو كتاب يجمع بين الحساب، الفلك، والفلسفات الهرمسية المنقولة عن اليونان، ومزجها بقوالب عربية.
سادساً: البرهتية في عصر التكنولوجيا
اليوم، تحولت البرهتية من “مخطوطات صفراء” إلى “محتوى رقمي”. نجد مئات القنوات على يوتيوب والمنتديات التي تروج لها.
- تجار الوهم: يستغل البعض هذا الغموض لبيع خدمات وهمية لاستخراج الكنوز أو علاج السحر، مستخدمين أسماء البرهتية لإضفاء شرعية “تراثية” على أعمالهم.
- التوثيق الرقمي: في المقابل، سمح الإنترنت للباحثين بمقارنة هذه النصوص وكشف التحريفات الواقعة فيها، مما ساهم في تراجع مصداقيتها أمام جيل يبحث عن الدليل المادي.
الخلاصة
البرهتية ليست مجرد كلمات، بل هي مرآة تعكس خوف الإنسان من المجهول ورغبته في القوة. هي “فلكلور روحاني” غني بالرموز، لكنها من الناحية العملية تفتقر إلى أي أساس علمي أو فيزيائي. التعامل معها يجب أن يكون كدراسة للتراث الإنساني وفهم سيكولوجية الاعتقاد، وليس كحقائق كونية.
