الشوارع
منذ سنة 2018، لا يزال الجدل يرافق اعتماد المغرب لتوقيت (غرينتش +1) بشكل دائم. وبينما تدافع الحكومة عن مكاسب اقتصادية، كشفت دراسة حديثة ومعمقة أن التكاليف الصحية والاجتماعية قد تفوق بكثير تلك الأرباح التكتيكية. في هذا التقرير، نستعرض كواليس “السيادة الزمنية” بالمغرب، وكيف يمكن قانونياً وواقعياً العودة إلى التوقيت الطبيعي.
- تشريع الساعة الإضافية بالمغرب: كيف بدأت القصة؟
قبل الخوض في الحلول، يجب فهم الأصل القانوني. اعتمد المغرب “الساعة الإضافية” بموجب المرسوم رقم 2.18.855 الصادر في أكتوبر 2018. هذا المرسوم جاء بشكل مفاجئ ليعلن استمرار العمل بالتوقيت الصيفي طيلة السنة، ملغياً بذلك النظام السابق الذي كان يعتمد على التغيير الموسمي.
الهدف المعلن حينها:
- تقليص الفارق الزمني مع الشركاء الأوروبيين (خاصة فرنسا وإسبانيا).
- توفير استهلاك الطاقة الكهربائية.
- تعزيز التنافسية الاقتصادية لقطاع “ترحيل الخدمات” (Offshoring).
- دراسة صادمة: “الساعة الإضافية” تهدد الصحة العامة
خلصت دراسة حديثة أنجزها المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية حول “السيادة الزمنية بالمغرب”، إلى أن هذا التوقيت يفرض تكاليف استراتيجية باهظة وموثقة في ثلاثة مجالات حيوية:
أ- الكلفة الصحية والنفسية
أثبتت الدراسة أن اعتماد هذا التوقيت يؤدي إلى:
- فقدان النوم: المغاربة يفقدون ما متوسطه 19 دقيقة من النوم يومياً.
- تضرر المراهقين: التلاميذ هم الحلقة الأضعف، حيث يصل فقدان النوم لديهم إلى 32 دقيقة، مما يؤدي إلى تراجع التحصيل الدراسي.
- الأمراض المزمنة: زيادة مخاطر السمنة، السكري، وأمراض القلب بسبب اضطراب “الساعة البيولوجية”.
ب- السلامة الطرقية والمخاطر الصباحية
نبه المركز إلى “الصباح المظلم” وتأثيره على حوادث السير. تشير البيانات الدولية إلى أن المناطق التي تبتعد عن توقيتها الطبيعي تشهد زيادة في وفيات حوادث السير بنسبة تصل إلى 21.8%، نتيجة ضعف التركيز في الساعات الأولى المظلمة من الصباح.
ج- كذبة توفير الطاقة
على عكس المبررات الحكومية، أكدت الدراسة عدم وجود دليل قاطع على وفرة الطاقة. واستشهدت بالتجربة التركية ودراسة أمريكية أظهرت أن التوقيت الصيفي قد يرفع استهلاك الكهرباء المنزلي بنسبة 1% بدلاً من خفضه.
- المكاسب الاقتصادية: هل هي حقيقية؟
الدراسة لم تنكر وجود فوائد، لكنها وصفتها بأنها “محدودة وممركزة”.
- الإيجابيات: التزامن مع الاتحاد الأوروبي يخدم قطاع مراكز النداء والصناعات المصدرة.
- السلبيات: هذا التوقيت يتسبب في فقدان “ساعة تداخل” مع أسواق عالمية كبرى مثل لندن ونيويورك، مما يعيق تنويع الاستثمارات الأنجلوسكسونية.
- التحدي الرقمي: مع صعود الذكاء الاصطناعي والأتمتة، لم يعد التداخل الزمني البشري بنفس الأهمية السابقة، مما يضعف الحجة الاقتصادية للمسؤولين.
- خارطة طريق: كيف يمكن الرجوع إلى التوقيت الطبيعي؟
وضعت الدراسة والخبراء القانونيون سيناريوهات واضحة للتخلص من هذا العبء الزمني عبر مراحل:
المرحلة الأولى: إجراءات استعجالية (خلال 6 أشهر)
- حزمة التخفيف الشتوية: تأخير الدخول المدرسي والإداري إلى الساعة 9 صباحاً من نونبر إلى فبراير لحماية الأطفال من الخروج في الظلام.
- الشفافية: نشر الدراسة التقييمية الحكومية لسنة 2018 التي استند إليها قرار التثبيت، لفتح نقاش عمومي مبني على أرقام حقيقية.
المرحلة الثانية: التقييم المستقل (المدى المتوسط)
- تكليف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بإعداد دراسة “كلفة-فائدة” محايدة.
- إجراء استشارة وطنية موسعة لا تكتفي بسؤال “ماذا تفضل؟” بل تقيس جودة النوم، الإرهاق، والإحساس بالأمن لدى الفئات الهشة.
المرحلة الثالثة: القرار السيادي (أفق 3 سنوات)
اتخاذ قرار نهائي يختار بين:
- العودة الدائمة إلى توقيت غرينتش (GMT): وهو الخيار الأنسب للصحة العامة.
- نظام موسمي مرن: يتوافق مع دورة الاتحاد الأوروبي (تغيير الساعة مرتين في السنة).
خلاصة القول
إن “السيادة الزمنية” ليست مجرد تغيير في أرقام الساعة، بل هي قرار يمس صميم جودة حياة المواطن المغربي. إن العودة إلى التوقيت الطبيعي تتطلب إرادة سياسية توازن بين مصالح شركات “الكابلاج” ومراكز النداء، وبين صحة ملايين التلاميذ والعمال الذين يواجهون عناء “الصباح المظلم”.
هل تؤيد العودة إلى توقيت غرينتش بشكل دائم؟ شاركنا برأيك في التعليقات.
