سهرة مع “إسكوبار”..بين بعاوا و بعيوي..هيا نُمازح المخزن

أحمد الجَــلالي

منذ السنوات الأولى لي من تلك الطفولة البدوية الرائعة ربطت علاقات تأملية مع كثير من عناصر الطبيعة، وعلى رأسها الكلمات والأصوات. علاقة امتدت معي وفي وجداني إلى اليوم.وقد كان قاموش المخزن حاضرا مبكرا في ذخيرتي اللغوية تلك.

لم تكن الأصوات هي ما ينقص المجال كله لكي تصير “مقررا” طبيعيا لي بلا محفظة ولا أقلام. كانت كتبا مسموعة مفتوحة أمام مسمعي الصغيرين لكي أطالعها صباح مساء.

فصوت حمار جارنا، الذي كان يقارب البغل هيئة، حدد لنفسه ولأذني مواعيد نهيق مضبوطة بالثانية، سواء في الحر أو القر، تخللتها طلعات ونزول في “السلم النهيقي” كنت أحفظها تماما. وبقدر ما صارت روتينا يوميا شبه مُسل لي صرت ألوم هذا الحمار النصري على قلة الإبداع لديه في “الالحان” بل اقترحت عليه في داخلي ما يشبه “النهاوند” كي لا يكون مملا ورتيبا هكذا.

وفي أيام المطر الغزير، كان نقيق الضفادع يأتيني من بعيد وأنا ملفع تحت بطانيات ثقيلة من صوف عتيق. كانت سمفونيات أنيقة ومرتبة من الطبيعة: ميزت فيها بين الصوت الذكوري والأنثوي والطفولي. وعبر الأصوات رسمت هيئات وألوانا لمصدر الصوت من تلك الكائنات التي لم ترق لي يوما لا بشكلها ولا برائحتها ولا طرق تحركها.

وفي الربيع والصيف، يا ما تابعت عن حفظ مسبق لأصوات تلك الطيور التي كانت تتكاثر ولا أعرف لماذا. وبقدر ما حفظت أصواتها كانت فورة الانتقام عندي تتعالى ليلا لتنفذ في النهارات الجميلة وأنا ألاحقها بـ”جباد” صنعته سلاحا فتاكا نال منها في كل حقل وواد أوصلتني قدماي إليه.

أما في الخريف، فشدني إلى الكائنات طيورا وحشرات ذلك الحزن والكآبة والاستعجال الذين لفوا سحناتها وحركاتها واتجاهات هجراتها في رحيل محزن نحو البعيد قرب الغيوم وأنا أراقب هذا التخلي المنتظم سنويا دون “استشارتي”.

 

كما كنت ألقي البال بدافع لا إرادي قاهر لكل لفظة يتفوه بها كبار السن أمامي كجدي وأبي وأمي، رحمهم الله جميعا.

والكلمات التي كنت أتوقف عنها محتارا هي التي لم أكن أفهمها أو بالأحرى لم تكن الصورة التي تتركها في ذهني مريحة طالما أنها لا تطابق تجسيدا معقولا في عقلي الصغير، ومن ذلك:

ــ العار: كان الناس يلقون هذا “العار” على بعضهم فيحدث مفعول التراجع والاستكانة ثم الاستسلام لطلب ما. عرفت المفعول وخانتني الصورة. ولكي أتخلص من ذلك “اللامعقول” عترت يوما على عروة برميل بلاستييكي صغير في حقل. بدا لي شكل تلك القطعة كأذن مقطوعة فقررت أن هذا هو “العار” الذي يتحدثون عنه. ثم ارتحت.

 

ــ “لجواد”: كان والدي وجدي يؤثثان أحاديث السمر ليلا بالكلام كثيرا عن “لجواد والرعاوين”. كنت أفهم فقط أن لجواد شيء جميل وأن الرعاوين نقيضها. لكن أين الصورة يا عالم؟ وبمجهود كبير حسمت الأمر الرعواني فوجدت له صورة ومثالا حيا أحد سكان القرية عن طريق مشيته وأسلوب كلامه وطريقته في رفع يديه وصراخه. بقيت “لجواد” مبحوثا عنها إلى أن أنقذني فرسان من “زمور” في موسم “مولى قبتين” كانوا يلعبون الفروسية على جياد ذات لون فضي أوحى لي أن هذا اللون والشكل هما ما جيب أن يقصدوا بهما “لجواد”.

أما تلك التعابير من أصل فرنسي مثل “جمافو” و “بوجور عليك” و “فاكين اعرابش” و”مزارطي” فقد فعلت برأسي الأفاعيل، ولم أحل ألغاز كثير منها سوى في رحلة التعليم الثانوي حينما “تفقهت” في لغة الاحتلال الفرنسي البغيض.

وأما التعابير ذات البعد الديني فهي التي عذبتني طويلا نظرا لقدسيتها المحسوسة والظاهرة على وجوه من يتلفظون بها، وذلك مازاد من جبني وعدم جرأتي على طرح السؤال حتى مع نفسي عن معناها، وهي كثير علق بالذهن منها على سبيل المثال:

“لعيادو بالله”: كنت أفهم معنى الله من خلال الله اكبر في كل وقت أذان، لكن ما الذي يكن يربط الله بـ”لعيادو” هذا؟ وبعد جهد مضن اعتبرت هذا لعيادو مرضا أو جنيا.

“الصلاعنبي”: لاحظت أيضا أن الكبار كلما أنهوا عملا أو اتفقوا على أمر قالوا “الصلاعنبي”. وكلما قالوها بحسم تركوا الحيرة تأكلني متسائلا: لماذا يكون النبي أصلع؟ أليس النبي شيئا مقدسا فلم يسلط الله عليه الصلع ليبدو ناقص الخلقة أمام من يحبونه؟ لم يشرح لي أحد أنه يقصدون “الصلاة على النبي”.

“حي على الصلااااح”: عذبني بها فقيه المسجد في كل ظهر وعصر ومغرب وعشاء…من يكون “حي” ومن يكون صاحبه “الصلااااح ” هذا يا ترى؟ هل هما رجلان من الدوار لا أعرفهما ولماذا يصر الفقيه أن يناديهما بصوت عال عدة مرات في اليوم؟

كانت معركة حواس ومعان ضارية وجدت خلالها مع مرور السنين الأولى من الطفولة والعبور نحو المراهقة حلولا لمشاكلها ومخارج من مطباتها باستثناء أمرين: “بعوالله” و “المخزن”.

“بعو” صوت للتخويف يقارب عواء الذئب في قصص جدي لكنه جاء هنا مقرونا بلفظة “الله”. قلت لنفسي هل يريدون أن نخاف من الله بكلمة بعو؟ أم أنهم يدعون على “بعو” الشرير مستقوين عليه بالله؟

وما فزعني أكثر في هذا السياق “البعوي” أنهم كانوا يتحدثون عن السيدة “بعاوا” في القنيطرة. كان علي أن أنتظر سنوات لأفهم أنعم كانوا يقصدون: بعون الله. لكم عانيت.

أما “المخزن” فقد كانت الكلمة التي حيرتني حد الإنهاك والإجهاد، سيما أنها كانت ترد دوما في سياق ونبرة الوعيد والخوف والجدية والصمت.

كان أقوى ما في الكون عندي هما أبي وجدي، فكيف يخافان حد التواضع كلما أتيا على ذكر هذا “المخزن”؟ اجتهدت كثيرا لكي أطرد المخزن من عقلي ومخيلتي رغم بحثي المستميت له عن شكل هوية. غير أني فشلت.

وكل ما أفلحت فيه نظير خلاص جزئي من هذا الكابوس الكبير في عقل طفولي صغير أني وجدت لهذا الكائن لونا وهو اللون الأخضر الخزي النابت على سطح ضفتي نهر سبو عند المنعرجات تحديدا.

ربما ساعدني في ذلك لفظ “الخز” الذي كانوا يطلقونه على النبات الرقيق الرخو المستلقي فوق أديب الأرض الرطب. فـ “خز” هو الامتداد الحرفي وسط كلمة “مخزن”.

غير أن حل الإشكال والوصول إلى توافق ووضوح مع المخزن كان عملية معقدة وشبه مستحيلة. فهذا اللون الخزي الذي اعتبرته خلاصا ونجاحا لي تطور في اتجاهات أكثر تعقيدا:

banner natlakaw

ــ وجدت الأخضر الخزي على سروج الفرسان في بعض المواسم التي كنت أرتادها طفلا.

ــ وجدته أيضا في لون أغطية الأضرحة من سيدي الكامل إلى الطيب الصابوني مرورا بمولى قبتين وسيدي علي “أبو الجنون”.

ــ لاحظته في “شربيل” عروس من قريتنا وفي مناديل بعض النسوة، بل حتى في لون حقيبة نقود صغيرة في يد إقطاعي صنديد.

ــ رأيته في لون محفظة المفتش الذي زار مدرستنا “على غفلة” ذات خميس بعد العصر حيث مكنني للمرة الأولى من رؤية كل معلمينا القساة مثل أرانب مستسلمة مرتعدة أمام صياد يتباهى ببارودته في حقل مكشوف.

أعترف لكم أني فشلت وأنا طفل في الحسم مع لون المخزن وشكله وأنا طفل، كما لا أزعم إلى اليوم أني ــ ولا غيري من النخبة والساسة والمثقفين ــ قد أفلحوا في ما أخفقت فيه.

لا نجد في أي قانون ولا في الدستور حتى ذكرا للمشرع لكلمة أو مفهوم “لمخزن” وبالمقابل يمكن أن تجد بسهولة لافتة مكتوب عليها “الأملاك المخزنية” أو “تنبر مخزني”.

وأنا أحب هنا أن أتساءل بكل براءة طفولية/كهولية: مادام المخزن موجودا في التداول اليومي والواقعي بين ملايين الشعب المغربي فلم لا يتم التنصيص على “مؤسسة المخزن” بشكل دستوري وواضح؟

والدليل على أن المخزن مثل “السراي” في المشرق أو “الباب العالي” في تركيا حقيقة أن قيامة قامت على محمد اليازغي حينما صرح قبل عقدين أن “المخزن مات”.

أنا لا أريد للمخزن أن يموت لاعتبارين على الأقل: أولا، لأنه تراث وطني  وجبت حمايته من الاندثار وثانيا، لأنه منا وفينا كعامل ضبط للتوازن. أقول ضبطا عقلانيا للتوازنات ولا أدعو لكتم الأنفاس وخنق الأصوات..

ثم لماذا لا ينبغي وليس من المصلحة الوطنية أن “يموت المخزن”؟

ــ في ظني أن الكل متمخزن بقدر معلوم من قاع الشعب إلى النخب المعينة و”المنتخبة”،

ــ في رأيي أن البديل الكلي للمخزن غير متوفر عدة وعتادا وثقافة لا اليوم ولا بعد عقود حتى. ولا داعي لمزيد تفاصيل فكلنا نعرف خروب بلادنا،

ــ مثلما وجدت حضورا لألوان المخزن في كل مكان من ضريح الطيب الصابوني إلى “بزطام” الحاجة فالمخزن ممتد في كل دواليب مؤسساتنا وفي جميع مفاصل حياتنا المعاصرة وكل حديث عن إحداث قطيعة ميكانيكية ضرب من الأحلام الجامعة ومغامرة بما تبقى من مادة لاصقة قوية تشد مكونات الهيكل المجتمعي كي لا تتداعى.

ــ أن المخزن محكوم عليه بالتطور تلقائيا بفعل تطور الحياة والعالم من حوله، والمطلوب من الجميع ليس الضغط عليه فيكسر ويدمر نطاقات من حوله بل مساعدته على إدراك أننا وإياه في سفينة واحدة إما أن نتطور فننجو أو نتقوقع فننقرض جميعا.

والشيء بالشيء يذكر، فهذه الأيام عادت “بعاوا” لتهجم على مخي مجددا بمناسبة تفجر قضية شبكة الكوكايين التي برز من أبطالها سياسي كانوا يسمونه سابقا “بيوي” فتحول في رشة عين ــ في أيام ضعفه ــ إلى مجرد “ابعيوي”.

ولقد كثر المبعبعون في هذا الملف صياحا وصراخا. وأبعد البعبعان يأتي من قنوات ومواقع بالخارج لم تكتف بنقل الأخبار أو تحليلها بل رفضت أن يكون المخزن جادا في حصد أذرع الفساد كما حكمت على الناس مسبقا ونشرت “ملفات” وأسماء أخرى من عنديتها وكأنها المشرف على التحقيق أو قاضي الأحكام.

ولا يبدو أن المخزن يكترث كثيرا لهذا الصراخ السيبيراني لأنه كما قال الأوائل “قاد بشغلو”، رغم مؤاخذاتي له بعدم التواصل بالشكل الكافي وفي الحين حينما تتفجر قضايا من حجم “الحاج إبراهيم”.

ولكي لا ننسى السياسة في هذا السياق النوسطالجي، فكلما تابعت المواقف المتعددة من الشكل الذي يمكن أو ينبغي أو يستحسن أن يكون عليه النظام السياسي سألت نفسي بيني وبين نفسي عن رأيي.

بكل صراحة، ورغم انحيازي المبدئي للديمقراطية في بعدها الرومانسي وفضلا عن قراءاتي وتجربتي الحياتية في بريطانيا أم الديمقراطيات، فلست واهما عندما يتعلق الأمر بالمغرب كما هو وليس المغرب المشتهى.

لا أقول إن هذا الشعب لا يستحق الديمقراطية كما هي معرفة عالميا غير أن واقع الحال والوعي المنطلق من حقيقة وطبيعة “خروب البلاد” شعبا ونخبا يجعلني أقلب السؤال: هل الديمقراطية تستحقنا؟

ذلك أن “لمخير فينا” يكون نصف ديموقراطي في أفضل حالاته سواء مع أهل بيته أو المقربين، ويحب الديمقراطية حينما تكون لصالحه ويتنكر لها عندما يرى بحاسته أن نتائجها ضد مصالحه.

فكيف يا ترى ستتحقق ديمقراطية بشعب غير ديمقراطي؟

يضحكني ويخيفني في آن المتحمسون للملكية الديمقراطية على الخصوص، حيث أتساءل إن كانوا يحلمون أم يتوهمون أم يهلوسون. فالبرغم من عيشنا في ظل ملكية تنفيذية قوية ها أنتم ترون رأي العين كيف أن الحكومات المنبثقة من أحزاب لا تتوانى في افتراسنا وتأزيم أوضاعنا، فما بالكم لو صرنا إلى ملكية ديمقراطية بملك محدود الصلاحيات أو ذي أدوار بروتوكولية شكلية؟ ماذا تراهم سيفعلون بنا ولن سيكون المشتكى ولمن سيؤول التحكيم؟

بلا تردد، أنا مع ملكية دستورية تنفيذية قوية تكون “الدولة الاجتماعية” مشروعها الجدي وتنمية الإنسان بكل أبعاده هدفها المنشود.

ليحلم غيري كما يشاء فذلك حقه..أقترف الشعر والخيال الأدبي لكني سياسيا أحلم في حدود الواقع..وبعينين جاحظتين…وهذا حقي أيضا.

banner natlakaw
تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد