“تكبير أو تصغير”؟..أحجار على طريق طوفان المغرب الأقصى

أحمد الجَــلالي

بين تكبير وتصغير يجب أن نحسم على عدة جبهات. فأينما وليت وجهك هذه الأيام في أدغال غابات الانترنت الكثيفة حد الجنون تجد من يعرض عليك تكبير الصفحات الضعيفة أو يقترح عليك وصفة سحرية للاغتناء السريع عبر تعاطي “التسويق بالعمولة”.

“تكبير الصفحات” هذا كلما طالعته ذكرني بمن يبحثون عن زبناء لتكبير أشياء أخرى لديهم يقنعونهم بكل الطرق أنه “مش قد المقام. أما قضية الاغتناء عن طريق التسويق بالعمولة فقد نشلرت بشأنه تدوينة كتبت فيها “من خوارم الرجولة إيهام الناس بالاغتناء عن طريق التسويق بالعمولة” ثم أضفت: احذروا قبيلة الـcrypto”.

والحقيقة أننا لا يجب أن نلوم الطامحين في أن يصبحوا “كبارا” ما سلكوا في سبيل ذلك الطرق الشريفة و المشروعة. اللوم كله على من يعمل على “التكبير” ــ على وزن التصنيع ــ بكل الأساليب الشيطانية تتوسل بالاحتيال والتضليل.

والملاحظ أن الجميع تقريبا يسعون في المغرب وخارجه إلى المضي بسرعة نحو “التكبير”، أقصد التضخيم وليس ترديد “الله أكبر”. وللناس في ما “يكبرون مذاهب شتى..وهذا حقهم في الاختلاف.

ومقابل الراغبين في ان يكبروا هم وثرواتهم ومشاريعهم بسرعة نجد جهات لا تريد لأحد أن يكبر بل يرفعون شعار التقليص ونهج سياسات مزمنة تقنع الناس بمزايا التقشف والتزام القرفصاء.

وفي مقدم العاملين على كسر حمى “التكبير” الحكومة المغربية وعلى رأسها الحزب الاغلبي ( آه كم اشتقنا لاستخدام هذا الوصف) بقيادة رئيسه أخنوش. هؤلاء لم يراعوا أن الناخبين “كبروا بهم” ومنحوهم الصدارة فوجدوها كبيرة عليهم تركهم يكبرون ولو قليلا.

ــ الموظف، عمود الطبقة الوسطى، حاله لا يسر صديقا ولا عدوا فقد انحدر مستواه المعيشي الى صفوف الفقراء.

ــ المقاول الصغير غرق في الديون وأعلن الإفلاس ومن يصارع كي لا يعلنه فلا يستطيع النوم ثلاث ساعات مستمر.

ــ التاجر البسيط صار طبيبا شعبيا يعرف درجة الحرارة في جيب وبدن كل رب أسرة: فمن كان يشتري كيلوغراما من العدس بكل أريحية هاهو يتلوى أمام “دا لحسن” قبل ان يقرر شراء رابعة..والاداء نهاية الشهر..إن يسر له ميسر الأمور كلها.

ــ الفلاح، ونقصد المزارع الصغير نسي تماما الحكومة وصار كل مناه ألا يذكره أحد بها وكل أمله أن تجود السماء بالغيث وكفى.

صار المطلوب من الجميع لإثبات وطنيته أن يتقلص ويدعو لتقليص كل شيء من الاكل والشرب إلى أي أمل باذخ في مغرب أفضل يضمن الحد الأدنى من الحياة الكريمة.

ورغم هذا الجو المفعم بالتقليص وخيبات الامل في “التكبير” فإن فعاليات ترفض الامتثال وتتحدى الحكومة وقوانينها ولا تعترف بها أساسا، ومن بيتها:

أولها، تكبير الاحتجاجات الاجتماعية التي تتناسل من قطاع إلى قطاع ولم يعد “الحوار” يجدي معها نفعا.

ثانيها، تكبير استهلاك الخمور والمخدرات إذ هناك أرقام مهولة لتزايد “الشاربان” ومتعاطي باقي الموبقات ممن يفضلون السباحة في الفضاء بعيدا عن واقع يدعو للجنون.

ثالثها، الجماع المكثف وكثرة المواليد خصوصا في البوادي والاحياء الفقيرة. فالناس على ما يبدوا قرروا بإجماع من غير اجتماع أن يداووها بالتي كانت هي الداء.

أما على الصعيد العالمي، وبرغم استمرار الامبريالية بأشكال جديدة فإنها على الأقل انحسرت جغرافيا بمقاييس الحدود وتوقفت عن اي تكبير ، إلا “دويلة” واحدة تصر على أن “تكبر”.إنها دولة الاحتلال الصهيوني التي تبرز خريطة فلسطين المحتلة كيف تقلص فيها اللون الأخضر إلى منتهاه في الصغر لحساب تمدد السرطان.

عبر القتل والتجريف…الاحتلال يريد أن يكبر.

عبر استهلاك الثروة القومية للولايات المتحدة..الاحتلال مصر أن يكبر.

banner cdm

عبر قضم مساحات من كل دول الطوق العربي بالحروب..الاحتلال عازم أن يكبر.

عبر تحدي كل القوانين الدولية..الصهاينة يريدون أن يكبروا وحدهم وليصغر هذا العالم.

هذا ليس كبرا طبيعا ولا حتى شبه طبيعي. هذا هو الاستكبار والعلو الكبير.

وماذا بعد العلو غير السقوط المدوي؟

واليوم يرى حتى ضعاف البصر كيف قرر الكيان بمحض إرادته أن يدمر نفسه بنفسه وكشف كل ضعفه البنيوي وعاهاته الخلقية أمام شمس الحقيقة.

فالذهاب إلى حرب برية،هي ما كانت تريده المقاومة من أجل معركة فاصلة، جر الاحتلال إلى مستنقع لا يملك خطة الخروج منه.

والاقتصاد اللقيط للكيان انهار تماما و “الشعب ” يفر بمئات الألوف، في هجرة عكسية وفية للتاريخ ونواميسه بأن يرحل الغزاة مهما بقوا في بيئة غريبة عنهم وهم عنها أغرب.

وأسطورة الجيش الجبار انهارت تماما أمام شباب مقاومين صاروا يتحركون وسط الدمار ليختاروا فرائسهم بكل أريحية: فهذا يصوب نحو جرافة وذاك يوقفه في انتظار “ميركافاه” أسمن.. وكأن أبناء القسام في رحلة صيد للحجل البري في غابة غنية بالوحيش.

وفي هذه السنة بالضبط بدأ الاصطفاف الكبير دوليا وإقليميا، وعلى كل الدول والأطراف والأنظمة أن تحجز مكانها عبر الانحياز عمليا إما لمعسكر الصغار الذين يتوهمون أنهم سيبقون كبارا أو الانضمام إلى القوى التي تتأهب لتقود العالم، في لحظة يترنح فيها النظام العالمي وحيد القرن والقطب ويبكي متألما من هذا التغيير التاريخي الحتمي.

إن معركة طوفان الأقصى التي جعلت من غزة فعلا إمبراطورية عظمى، بتعبير الزميل الإعلامي أحمد فيهم، هذه الإمبراطورية تحدت الغرب وترسانته العاهرة لأزيد من شهرين لهي بحق مؤشر على الآتي الذي لا مفر منه: نحن في مقدمة حرب عالمية ثالثة لا مجال فيها لعدم انحياز.

بلادي ووطني المغرب جزء من هذا العالم المتفاعل حد الدهشة، ولن يكون بوسعنا التوهم أننا بمنآى عن كل ما سيحصل ودفه نصيبنا من تكلفته. أي أننا كباقي العالم سنضطر لدخول الحرب العالمية الثالثة بجميع مستوياتها.

وعلينا، تاليا، تكبير الاستعداد لهذه الحرب التي ستغير خرائط العالم وتعيد ترسيم حدود كثير من الأوطان. وفي حرب مثل هذه لا يمكن أن تعول على صديق ولا رفيق..فالكل جبار متكبر قاطع طريق.

ما يمكننا أن نعول عليه بعد الله سبحانه الذي أمرنا بأن نعد لهم، هو ما تحت أيدينا ومدى صلابة جبهتنا الداخلية لمقارعة القادم المر. والجبهة الداخلية، بلا تفلسف، هي المواطن الإنسان.

بإنسان يائس لا يمكن أن تحارب، وبإنسان مدمر معنويا وصحيا لا يمكن أن تحارب، وبمواطن غير مطمئن لا قدرة لأية دولة على أن تخوض حربا تتطلب نفسا طويلا وانخراطا شعبيا استثنائيا.

هل أتحدث عن الحرب؟  نعم أعنيها حرفيا، وقبل كل شيء فالمغرب في حرب مستمرة أصلا وقد دامت قرونا: نصف قرن تقريبا وقضية الصحراء المغربية مستمرة..وقبل صحرائنا لدينا سبتة ومليلية وجزر أخرى من مغتصبات وطننا ترزح تحت نير الاحتلال الإسباني.

عندما هضمت معجزة طوفان الأقصى كمعطى بات حقيقة سألت نفسي بكم مغربي وبكم من الوقت و “بعض العتاد” يمكن أن يستيقظ العالم فيجد العلم الوطني قد غرس هناك حيث يجب أن يزرع وإلى الأبد.

يقيني أن بداية الطريق يجب أن تبدأ أولا بمصالحة مع الذات الوطنية وحرب ضروس على الفساد..و تكبير العقل وليس تصغيره ، وحين يتحرر المغاربة من اليأس والوهن والأوهام والخرافة ويخرجون من دائرة الراحة إلى ساحة العمل سوف تتحرر الطاقات الكامنة وبعدها لن يظل حولنا شبر غير محرر.. وسنبدع طوفاننا في التنمية والتقدم والرقي بين أمم لن يعيش فيها الضعيف ولا التابع ولا الذيلي.

بين يدي مغربنا، هذا المغرب الأقصى، من التاريخ والجغرافيا والشخصية الوطنية الكامنة ما يكفي ويزيد لقيادة تكتل شمال أفريقيا، لتحيا شعوب هذا الإقليم الجبار مرفوعة الرأس بين الأمم وبجدارة تحت الشمس وفوق الأرض.

كل ما نحتاجه اليوم وليس غدا أو بعده هو كسر شرنقة التخلف والكسل الذهني وإزالة التخدير من على شرايين الإرادة. نعم قادرون بالفعل إن عرفنا فقررنا ثم أعددنا العدة وانطلقنا في هذا الطريق غير ملتفتين.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

banner cdm
تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد