أحمد الجلالي
من الزيارات التي لا يمكنني نسيانها ما حييت في ربوع فلسطين، زيارة مدينة الخليل.إسم الخليل لدينا نحن المغاربة يقترن في الذهن مباشرة باسم نبي الله إبراهيم عليه السلام، أبونا الذي سمانا مسلمين، كما جاء في كتاب الله العزيز.
سيدنا إبراهيم عليه السلام، في فلسطين المحتلة يسمى “أبو الضيفان” من فرط كرمه عليه السلام، ومدينة الخليل إلى الآن هي المكان الوحيد في العالم الذي لا يجوع فيه أحد، فسنة نبي الله في إقامة موائد لإطعام الفقراء مستمرة إلى يوم الناس هذا.
أيامنا بفلسطين كانت قصيرة لكنها كثيفة برنامجا ولقاءات…وبالنسبة لي شخصيا كانت كثيفة حسا ومشاعر،وتفاعلا قويا بين فلسطين القابعة صورا وعواطف في مهجتي، وفلسطين الحسية التي يمكننا هنا والآن ملامستها ترابا وشمها هواء، والحديث إلى ناسها شيبا وشبابا، نساء ورجالا، مسؤولين وشعبا طيبا جبارا.
الرحلة إلى الخليل كانت بعد وجبة غذاء دسمة في مطعم فندق “إبراج الزهراء” المكان الذي رحب بنا فيه كل موظفيه ومالكه..ولا أبالغ حتى الحيطان والأركان كانت تقول لمن أصغى السمع: مرحبا بضيوف فلسطين.
اتجها في قافلة من أربع أو ثلاث سيارات، ولم تمض سوى أقل من ساعة حتى دخلنا الخليل البهية.لافتة أثارت انتباهي من نافذة السيارة تقول: مدينة الخليل ترحب بكم. قلت لنفسي: سلام عليك نبي الله وخليله.
بعد لحظات كنا في محافظة الخليل، حيث استقبلنا محافظ المدينة، كامل حميد، وموظفو المحافظة. كانوا في انتظارنا كما يكون رب البيت في انتظار ضيوف أعزاء آتين من بلاد بعيدة. القهوة الفلسطينية والحلويات اللذيذة بشكل غير مألوف كانت أيضا ترحب بنا. الفلسطينيون يغمرونك بلطف وحب يجعلك تفقد تعابيرك تماما.
هذا الشعب الذي يقتلونه يوميا منذ عقود طويلة، المرحل من أرضه، المضيق عليه في عيشه ورزقه..أصيل مضياف يجود بالدماء والأرواح والحب والطعام والابتسام..وبالأمل العريض عرض السماوات والأرض.
محافظ الخليل تحدث إلينا بشكل مركز وأعطانا فكرة جيدة عن حجم المدينة وكثافتها السكانية، وأهميتها في الخريطة الفلسطينية ككل.
كانت الأحوال الفلسطينية متوترة أمنيا. ضواحي الخليل زعمت الآلة الإعلامية والأمنية الصهيونية أن مستوطنين قتلوا. كانت تل أبيب تتهيأ لتقض على أهل غزة وتفتك بهم وتسوي ببيوتهم الأرض. وكان هذا العالم المنافق مستعدا ليقول: ندعو الطرفين إلى الحواء والتخلي عن العنف، وكأن الأمر يتعلق بحرب بين روسيا والصين، وليس بين آلة عسكرية جبارة ومقاومين يدافعون عن أرواحهم وأعراضهم بأسلحة بدائية مصنوعة تحت حصار في البر والبحر والجو.
قوات الاحتلال في تلك الأيام فرضت طوق حصار خانق على الشوارع والممرات والسكان. من ضمن ما فعلوا أن قطعانهم كانت تقتحم البيوت وتظل مرابطة فيها، مع ما في ذلك من رعب وتخويف وهتك للحرمات. والأفظع أن قطعان الهمج المدججين بالسلاح كانوا يتقصدون أن “يعطنوا” داخل البيوت..
أصبت ساعتها بحالة من القرف والسخط على أمة العربان ودعوت على ملاييرها الكثيرة أن يصيبها حريق مهول فنكون على الأقل أمة فقيرة لا حول لها ولا قوة. دعوت على النفط العاهر الملعون أن ينضب أو ينزل عشرات الكيلومترات تحت سطح الأرض، ومعه ننزل جميعا كعرب ومسلمين لأن بطن الأرض صار أولى بنا من ظهرها.
انتهى اللقاء بطريقة فلسطينية أيضا: هدايا تذكارية هي عبارة عن وشاح فلسطيني لكل عضو من أعضاء الوفد، مكتوب عليه “محافظة الخليل”.لما عدت إلى المغرب وضعته مع حصى من كل مدينة فلسطينية زرتها في مكان رفيع من مكتبتي الخاصة.
نزلنا من مقر المحافظة وتوجهنا رأسا إلى الحرم الإبراهيمي،الموجود في الجزء العتيق من مدينة الخليل.تعرجت بنا السيارات في أزقة يفوح منها عبق التاريخ والديانات وعظمة الأنبياء.
ترجلنا ومررنا بزقاق ضيق به باعة فلسطينيون يتعيشون على بيع تحف صغيرة للسائحين. تفرقنا جزرا نحن أعضاء الوفد. كانت دهشة رؤية المكان للمرة الأولى تأخذنا ـ أو ربما تأخذني وحدي ـ إلى طفولتي الأولى، صبيا لاهيا عن الدنيا ومشاكلها وصراعاتها إلى الاحتفاء بتفاصيل الناس والأشياء والمكان الصغيرة.لهوت فعلا لما اشتريت نايين فلسطينيين مصنوعين بيد صانع فلسطيني،من قصب فلسطيني في الأرض الفلسطينية. وزيادة النشوة التي أخذتني عزفت في ذلك الزقاق ما تيسر لأناملي من ألحان كنت تعلمتها قبل ثلاثة عقود وراء قطيع والدي في تلك الطفولة البعيدة بذلك المكان المسمى “قطاع وادي واحد” ما بين مشرع بلقصيري ودار الكداري، حينما كنت في الفصل التلميذ المتوج كل عام، صاحب النتائج القياسية..وراعي الغنم طيلة فصل الصيف القائظ.
فجأة تجمعنا، وقبل أن ننتظم في الطريق إلى الحرم الإبراهيمي، كنت في حديث مع جيم بوملحة، رئيس الاتحاد الدولي للصحافيين، حديثنا كان في السياسة وفي المهنة وعن فلسطين. رأيت جنود الاحتلال فوق المباني العتيقة برشاشاتهم المصوبة إلى كل شيء يتحرك في الأسفل. كان الموت يتربص بنا من فوق.سألت فقيل لي إنهم يحرسون بضعة مستوطنين في تلك البقعة المقدسة من الخليل.
عند وصولنا باب الحرم الإبراهيمي، كنا نحمل الأعلام الفلسطينية وتلك الوشاحات التي أهدانا إياها محافظ مدينة الخليل. أردنا الدخول إلى الحرم. اشترط علينا جنود الاحتلال أن نخفي الأعلام الفلسطينية.رفضنا بشكل نهائي، وهم أيضا تمسكوا بقرارهم. ما العمل؟
سجلنا موقفا قويا: لن ندخل إلا بالوشاحات حول أعناقنا، لا مساومة. انتهى الأمر بمنعنا، وتسجيلنا ذلك الموقف الذي سرعان ما وصل لوسائل الإعلام الفلسطينية عبر الهواتف، وعدنا أدراجنا من باب الحرم الإبراهيمي الذي حال بيننا وبين داخله الأوغاد برشاشاتهم.
التففنا على زقاق آخر، فلاحظنا أن السكان الفلسطينيين في ذلك المكان منعوا من دخول بيوتهم من أبوابها “حماية” لشرذمة من المحتلين، فما وجد الفلسطينيون من حيلة سوى تحويل النوافذ إلى أبواب خلفية.
جرجرت رجلي نحو السيارة من فرط الأسى الذي استبد بي لحظتئذ، وأنا أهم بالصعود إلى السيارة أمسك بي صبي صغير من أبناء الخليل.كان تاجرا صغيرا يبيع أشياء بسيطة. قال لي إنه يريد أن يستفتح بي. سألته:
ما اسمك حبيبي
قال وهو ينظر إلي تماما: أحمد
أنا كمان اسمي أحمد
مرحبا بك في فلسطين
ما الذي تبيع؟
كذا وكذا..قالها وهو يعرض بضاعته الصغيرة بثقة
طيب أحمد سأشتري منك كل هذا بشرط
شو هو؟
إن كبرت لا تغادر الخليل
فهم بسرعة وقال لي: والله مارح نتركها لليهود، عهد الله
قبلت جبينه وسلمته ما كان عندي من دولارات
انطلقت السيارة التي تأخرت دقائق بسببي.
لمحت أحمد، البطل التاجر الصغير ابن الخليل، في مرآة السيارة يلوح لي بيده الصغيرة التي تمنيت لو نزلت وقبلتها.
غادرنا الخليل نحو كنيسة المهد ومخيم عايده.
إلى الخميس المقبل مع الحلقة 9 من هذه السلسلة
www.achawari.com
