الشوارع
يبدو أن السيدة جيورجيا ميلوني قررت أخيراً أن بوصلة روما لا تشير إلا نحو الجنوب، ليس حباً في شمس الجزائر، بل هرباً من صقيع الطوارئ الذي ضرب القارة العجوز. ففي مشهد يجسد ذروة “البراغماتية الاضطرارية”، تطرق رئيسة الوزراء الإيطالية أبواب قصر المرادية اليوم الأربعاء، حاملةً معها قائمة أمنيات طاقوية لا تنتهي، في محاولة بائسة لترميم ما أفسده “غاز الشرق” الذي تبخر إثر أزمات الجيوسياسة، وتعطل “رأس لفان” القطري الذي ترك المصانع الإيطالية في مهب الريح.
إن الهرولة الإيطالية نحو الجزائر لا تعكس شراكة “استراتيجية” بقدر ما تعكس حالة من “الفزع الطاقوي”؛ فإيطاليا التي تنتج 44% من كهربائها بالغاز، وجدت نفسها فجأة أمام حقيقة مرة: “الاستقلال الطاقوي” مجرد قصيدة شعرية تُلقى في بروكسل، بينما الواقع يُكتب في أنابيب “ترانسميد”.
ميلوني، التي ترفع شعار السيادة، تأتي اليوم لتستجدي أمتاراً مكعبة إضافية، بينما تبتسم الجزائر وهي تضع شروطها على الطاولة، ملمحةً بذكاء إلى أن “الصداقة التاريخية” تمر حتماً عبر “إعادة تفاوض” ترفع الأسعار بنسبة 20%، تماشياً مع جنون السوق الذي تجاوز 70 دولاراً للميغاواط.
ويا لسخرية القدر، فبينما تتحدث روما عن تنويع المصادر، تكتشف أن 83% من وارداتها من الجزائر هي “طاقة صِرفة”، وكأن التبادل التجاري الذي يتبجحون به ليس سوى مقايضة إيطالية: “خذوا القمح والمكرونة الإيطالية (المزروعة في صحرائنا بتمويلكم)، وأعطونا الغاز لكي لا تتوقف مصانع فيات”. إنها دورة اقتصادية عجيبة، تبدو فيها إيطاليا كمن يبيع “الفرن” لمن يملك “الحطب”، ثم يتوسل إليه ليخبز له رغيفاً.
بينما تنشغل ميلوني بتأمين شحنات الغاز المسال التي قفزت إلى 47 شحنة، تحاول تغليف الزيارة بوعود “غرفة تجارة مشتركة” ومشاريع زراعية في الصحراء، وكأن القمح الصلب سيغطي عورة العجز الطاقوي. الحقيقة أن إيطاليا اليوم لا تملك ترف الاختيار، والجزائر تدرك جيداً أنها أصبحت “صمام الأمان” الوحيد المتبقي لروما، مما يحول هذه الزيارة من “لقاء قمة” إلى “مفاوضات شاقة” يدفع ثمنها المستهلك الإيطالي، بينما يكتفي الساسة بتبادل الابتسامات أمام الكاميرات، خلف أنابيب تضخ الغاز… والتبعية وأشياء أخرى يخفيها قصر المرادية.
