المحاماة في المغرب: انسداد شرايين الحوار يعطل مرفق القضاء

الشوارع ـ متابعة

يعيش قطاع العدالة في المغرب على وقع غليان غير مسبوق، حيث تحولت ردهات المحاكم من فضاءات للتقاضي إلى ساحات للاحتجاج. إن “كسر العظم” القائم حالياً بين وزارة العدل وجمعية هيئات المحامين بالمغرب لم يعد مجرد خلاف مهني عابر، بل أضحى أزمة هيكلية تهدد بتعطيل مرفق القضاء بالكامل.

شد الحبل بين وزير العدل والمحامين: القصة الكاملة

بدأت شرارة الأزمة منذ تولي الوزير عبد اللطيف وهبي حقيبة العدل، حيث تبنى منهجية وصفتها الهيئات المهنية بـ “المنفردة” في صياغة القوانين المنظمة للمهنة (مشروع القانون رقم 66.23) وكذا قانون المسطرة المدنية والجنائية. هذا التوتر انتقل من المكاتب المغلقة إلى الشارع، متوجاً بوقفات وطنية أمام البرلمان وإضرابات شاملة شلت الحركة في معظم المحاكم المغربية.

  لماذا ينتفض أصحاب البذلة السوداء؟

تتمحور الخلافات حول نقاط جوهرية يراها المحامون “خطوطاً حمراء” لا يمكن تجاوزها:

  1. استقلالية المهنة: يرفض المحامون أي مقتضيات تمنح السلطة التنفيذية حق التدخيل في الشأن المهني أو التأديبي.
  2. المسطرة المدنية: التعديلات التي تحد من إلزامية حضور المحامي في بعض القضايا، أو التي تمنح صلاحيات واسعة لـ “الوكيل” بدل المحامي.
  3. الولوج للمهنة: شروط التكوين والامتحان التي يراها المحامون لا تتماشى مع هيبة المهنة وقدرتها الاستيعابية.
  4. النظام الضريبي: الخلافات المستمرة حول طريقة أداء الضرائب والاقتطاعات من المنبع.

 

ما هي أطروحة الوزير وهبي؟

دافع الوزير وهبي في مناسبات عديدة عن رؤيته، معتبراً أن:

  • تحديث منظومة العدالة: يتطلب قوانين مرنة تسرع من وتيرة البت في القضايا وتنهي “الزمن القضائي الهالك”.
  • سيادة الدولة: يرى الوزير أن وضع القوانين هو حق حصري للمؤسسة التشريعية والحكومة، ولا يمكن رهن التشغيل بموافقة فئة مهنية معينة.
  • الرقمنة: يشدد على ضرورة إدخال التكنولوجيا في منظومة العدالة، وهو ما يتطلب تغييراً في جذرياً في طريقة عمل المحامين.

ماذا يريد المحامون بالضبط؟

تتلخص مطالب جمعية هيئات المحامين في النقاط التالية:

  • السحب الفوري: سحب مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم المهنة.
  • المقاربة التشاركية: العودة إلى طاولة الحوار لصياغة قوانين نابعة من الواقع الميداني للممارسة المهنية.
  • حماية المتقاضي: يرى المحامون أن الدفاع عن استقلاليتهم هو في العمق دفاع عن “المحاكمة العادلة” وحماية للمواطن من أي شطط قضائي أو إداري.
  • شعار “حرة مستقلة”: التمسك بالاستقلال الكامل لجمعياتهم وهيئاتهم عن وصاية وزارة العدل.

 

آثار الأزمة على المواطن المغربي

المتضرر الأكبر من هذا الانسداد هو المواطن، وتتجلى الآثار في:

  • ضياع الحقوق: تأجيل آلاف القضايا لمدد غير مسمى بسبب الإضرابات الشاملة.
  • شلل الخدمات: تعذر الحصول على الوثائق القضائية أو تنفيذ الأحكام.
  • الاكتظاظ: تراكم الملفات الذي سيؤدي لاحقاً إلى ضغط هائل على القضاة والموظفين فور انتهاء الأزمة.

 

ما هي آفاق المشكلة؟ (سيناريوهات الحل)

تتأرجح الأزمة حالياً بين سيناريوهين:

  1. سيناريو التصعيد: استمرار الإضرابات المفتوحة، مما قد يدفع الحكومة لاتخاذ إجراءات قانونية أو إدارية لمواجهة “شلل المرفق العام”.
  2. سيناريو الوساطة: تدخل مؤسسات دستورية أو جهات عليا لتقريب وجهات النظر، وإجبار الطرفين على توقيع “ميثاق وطني” للعدالة ينهي الاحتقان.

خلاصة: إن إصلاح العدالة في المغرب لا يمكن أن ينجح دون “محاماة قوية”. إن سحب المشاريع المثيرة للجدل والعودة للحوار التشاركي ليس تنازلاً من الحكومة، بل هو استثمار في استقرار “دولة الحق والقانون“.

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد