الشوارع ــ المحرر
تظل قصيدة “ريتا والبندقية” واحدة من أكثر القصائد إثارة للجدل في تاريخ الأدب العربي الحديث. فهي ليست مجرد أبيات غزلية، بل هي صرخة تجسد الصراع الوجودي بين “الحب” و”الوطن”. ومع رحيل السيدة تمار بن عامي (ريتا الحقيقية) في برلين عام 2026 عن عمر يناهز 79 عاماً، انفتحت مجدداً دفاتر الذكريات لتبوح بأسرار العلاقة التي جمعت بين الشاعر الفلسطيني الثائر وفتاة يهودية باعدت بينهما فوهة بندقية.
ميلاد شاعر من رحم النكبة
وُلد محمود درويش في قرية “البروة” عام 1941، وشهد طفولة قاسية تمثلت في تدمير قريته وتهجيره. هذه البدايات شكلت وجدانه، فجاءت أشعاره الأولى محملة برائحة الأرض والخبز والقهوة. انخرط درويش مبكراً في العمل السياسي والحزبي داخل الأراضي المحتلة عام 1948، مما جعل شعره سلاحاً في وجه المحتل، ومن هنا نال لقب “شاعر الجرح الفلسطيني”.
من المباشرة إلى الرمزية الكونية
لم يقف درويش عند حدود القصيدة التحريضية المباشرة. لقد طور أدواته ليرتقي بالقصيدة العربية إلى مصاف العالمية. انتقل من “سجل أنا عربي” إلى دواوين فلسفية وجودية مثل “جدارية” و”لا تعتذر عما فعلت”. لقد أضاف للقصيدة العربية نَفَساً ملحمياً، وحوّل القضية الفلسطينية من شأن محلي إلى قضية إنسانية كبرى تخاطب كل مظلوم في الأرض.
بين الشعر والسياسة.. وبين السياسة والحب
كان درويش يعيش صراعاً دائماً. في السياسة، كان صوتاً لمن لا صوت لهم، وفي الحب، كان يبحث عن السكينة التي سرقها الاحتلال. العلاقة مع “ريتا” كانت التجسيد الأكبر لهذا التناقض؛ كيف يمكن لقلب شاعر مقاوم أن يخفق لامرأة تنتمي للطرف الآخر؟
من تكون “ريتا”؟ خفايا وأسرار تمار بن عامي
ظلت “ريتا” شخصية غامضة لسنوات طويلة، حتى كشف درويش نفسه في مقابلة مع “ريتا مراد” أن ريتا اسم مستعار لحبيبة حقيقية. إنها تمار بن عامي، الفتاة اليهودية التي ولدت في حيفا وتعرف عليها درويش عام 1963.
- اللقاء الأول: حدث في مدينة شفاعمرو، حيث كانت تمار راقصة في فرقة للفنون الشعبية، وكان درويش يلقي شعراً.
- الشرارة: وصفت تمار اللقاء قائلة: “التقت العيون وأحسست بتيار كهربائي.. وقعنا في الحب من أول نظرة”.
هل أحبت ريتا الشاعر أم خدعته؟
تشير الوقائع والرسائل التي تم الكشف عنها، ومنها تصريحات تمار قبل وفاتها، إلى أن الحب كان صادقاً وعميقاً من الطرفين في بدايته. وصفت تمار درويش بأنه “مرساة حياتها ومصدر إلهامها”. لكن “الخديعة” لم تكن عاطفية بل كانت “واقعية”؛ فالفتاة التي رقصت معه، هي نفسها التي ارتدت البدلة العسكرية لاحقاً.
علاقة ريتا بالموساد الإسرائيلي
لطالما ترددت شائعات حول كون ريتا مجندة في الموساد لغرض الإيقاع بالشاعر الشاب. الحقيقة أكثر تعقيداً؛ تمار التحقت بالجيش الإسرائيلي كجزء من الخدمة الإلزامية، وهذا هو “الحاجز” الذي قصده درويش في قصيدته. دخولها المؤسسة العسكرية كان يعني اختيارها للانتماء لكيان يعادي وجود الشاعر، وهو ما جعل الاستمرار مستحيلاً. لا توجد أدلة قطعية على أنها كانت “عميلة” بالمعنى الاستخباراتي، لكنها كانت جزءاً من المنظومة التي تطارد شعبه.
قراءة في أغنية “ريتا والبندقية”
عندما غنى الفنان مارسيل خليفة هذه القصيدة، تحولت إلى أيقونة.
- الرمزية: “بين ريتا وعيوني بندقية” ليست مجرد صورة فنية، بل هي توصيف للمكان الذي يقف فيه الحبيبان؛ جبهة قتال.
- الانكسار: “والذي يعرف ريتا ينحني ويصلي لإله في العيون العسلية”؛ هنا اعتراف بجمال الروح الإنسانية قبل أن تشوهها الأيديولوجيا والسلاح.
- الخاتمة: القصيدة تنتهي باعتراف بضياع الحب أمام صدمة الواقع، حيث يتلاشى الجسد ليبقى صوت الرصاص.
ما وراء ريتا: وصية تمار الأخيرة
في سنواتها الأخيرة ببرلين، تحولت تمار بن عامي إلى حاملة لرسالة السلام، داعية إلى ترجمة قصيدة درويش “فكر بغيرك” لجميع لغات العالم. اعتبرت أن هذه القصيدة هي البيان الإنساني الذي يجب أن يدرس في المدارس. رحلت تمار وهي لا تزال تحتفظ برسائل محمود، واصفة إياها بأنها “عملية موجعة وقاسية”، ومؤكدة أن درويش سيبقى “شمعة في ظلام البشرية”.
خاتمة
تجاوز محمود درويش في سنواته الأخيرة قصة “ريتا”، وانتقل إلى آفاق شعرية أرحب، وكان يزعجه أحياناً حصر جمهوره له في قصائد بداياته. لكن تظل “ريتا” رمزاً للصراع بين الإنسانية والسياسة، وقصة تذكرنا بأن البنادق لا تقتل الأجساد فقط، بل تقتل قصص الحب الأجمل أيضاً.
