الشوارع
في تقرير استخباراتي مطول، كشفت صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية عن تفاصيل مذهلة حول واحدة من أعقد العمليات العسكرية في العصر الحديث، والتي انتهت بتصفية أربعين من كبار القادة الأمنيين والعسكريين الإيرانيين في غضون ثوانٍ معدودة. العملية التي وُصفت بأنها “زلزال أمني”، لم تكن مجرد ضربة عسكرية عابرة، بل كانت نتاج اختراقات استخباراتية عميقة وصيد ثمين لـ “معلومات ذهبية” وصلت في اللحظات الأخيرة لتغير مجرى التاريخ العسكري في المنطقة.
يروي المحلل الاستخباراتي البارز، رونين بيرغمان، في الملحق الأسبوعي للصحيفة، كيف استطاعت إسرائيل مباغتة طهران في قلب حصونها، مستغلةً مزيجاً من التكنولوجيا الفائقة، والتخطيط الجريء، وما وصفه بـ “العجرفة القاتلة” لدى القيادة الإيرانية التي استخفت بقدرات خصومها في لحظة فارقة.
كيف باغتت “المعلومة الذهبية” طهران؟
كانت الخطط الإسرائيلية والأمريكية المشتركة تقضي ببدء الهجوم الشامل على إيران في مساء السبت، الموافق 28 فبراير/ شباط 2026. إلا أن رياح الاستخبارات جرت بما لا تشتهي سفن طهران؛ فقبل ساعات من الموعد المحدد، رصدت أجهزة التنصت والتعقب تحركات غير اعتيادية تشير إلى تبكير موعد اجتماع “مجلس الدفاع الأعلى الإيراني” من المساء إلى الصباح.
هذا التغيير المفاجئ دفع غرفة العمليات في تل أبيب إلى اتخاذ قرار دراماتيكي بتقديم موعد الضربة 12 ساعة كاملة. وبينما كانت الطائرات تستعد للإقلاع، وصلت “المعلومة الذهبية” التي لم تكن في الحسبان: المرشد الأعلى علي خامنئي متواجد حالياً داخل منزله في مجمع “باستر” المحصن، وليس في خندقه السري. كانت هذه الفرصة التي انتظرها الموساد والاستخبارات العسكرية لعقود؛ فتم إدراج منزل المرشد ضمن قائمة الأهداف في الرمق الأخير، لتتحول العملية من ضربة للمقرات العسكرية إلى عملية “قطع رأس الأفعى”.
الصدمة والترويع: تكنولوجيا “روكس”
لضمان عنصر المفاجأة وتفادي الرادارات الإيرانية، اعتمد سلاح الجو الإسرائيلي على صواريخ باليستية سرية من طراز “روكس” (Rocks)، وهي صواريخ تُطلق من مسافات بعيدة عبر طائرات “إف 15”. الهدف كان مبنى “باستر” الاستراتيجي، حيث كان يجتمع قادة الأجهزة الأمنية في تمام الساعة التاسعة والنصف صباحاً.
يؤكد بيرغمان أن الخطة استهدفت تحقيق الفوضى الشاملة. فبينما كان قادة الدفاع يجتمعون، كان هناك اجتماع متزامن لرؤساء الاستخبارات العسكرية في مبنى مجاور. وبفضل التلاصق الجغرافي لهذه المقرات، قررت القيادة الإسرائيلية إطلاق 30 صاروخاً دفعة واحدة لتغطية مربع العمليات بالكامل، بما يشمل مكتب المرشد، منزله، ومقرات الاجتماعات. النتيجة كانت مرعبة بكل المقاييس العسكرية: اغتيال 40 كادراً من الصف الأول في نظام طهران خلال 40 ثانية فقط، وهو ما جعل الرد الإيراني الفوري شبه مستحيل نتيجة غياب القيادة الميدانية القادرة على إصدار الأوامر وسط الركام.
ثغرة “الهواتف الحديثة”
كشف التقرير أن الإيرانيين حاولوا استخلاص الدروس من مواجهات سابقة، خاصة حرب حزيران، حيث أدركوا أن إسرائيل تتبع قادتهم عبر الهواتف المحمولة. وبالفعل، توقف القادة الإيرانيون عن حمل هواتفهم، لكن الثغرة القاتلة كانت في “المرافقين والحراس”. فقد استمر طاقم الحراسة المحيط بالمسؤولين في حمل أجهزة حديثة مرتبطة بشبكات “جي بي إس”، مما مكّن الاستخبارات الإسرائيلية من تحديد المواقع الجغرافية بدقة مذهلة.
وعلى الرغم من بناء إيران لـ “مدن باطنية” تحت الأرض ومقرات محصنة بالإسمنت المسلح، إلا أن الاستخبارات الإسرائيلية استعانت بفرق من الباحثين والمهندسين لتعقب ملامح هذه المنشآت. وخلصت الدراسة إلى أن تدمير هذه الحصون لا يتطلب قنابل خارقة للدروع فحسب، بل يتطلب كثافة نيرانية تصل إلى 100 صاروخ من 50 طائرة لإحداث انهيار كامل أو قتل من بالداخل عبر “الخنق” بالغازات الناتجة عن الانفجارات. لكن المفاجأة كانت أن القيادة الإيرانية، وفي لحظة ثقة مفرطة، بقيت فوق سطح الأرض، مما جعل مهمة الصواريخ أسهل بكثير.
لماذا غضب ترامب وكذب نتنياهو؟
لم يخلُ تقرير بيرغمان من الكواليس السياسية الساخنة؛ حيث كشف أن الرئيس الأمريكي السابق (والحالي في سياق التقرير) دونالد ترامب، أبدى غضباً من وجود ثلاثة أسماء محددة في سجل الاغتيالات، بينما كانت إسرائيل تضغط لتبكير الحرب خوفاً من تغير مزاج “الرجل البرتقالي”.
كما نقل التقرير اعترافات من مصادر أمنية إسرائيلية وصفت تصريحات بنيامين نتنياهو السابقة حول تدمير المشروع النووي الإيراني في حرب حزيران بأنها “كلمات فارغة” وكذب صريح على الجمهور. وأكدت المصادر أن إيران كانت قد بدأت بالفعل في تسريع مشروعها النووي مستلهمةً النموذج الكوري الشمالي، مما جعل الضربة الأخيرة ضرورة وجودية لإسرائيل، ليس فقط لتعطيل السلاح، بل لزعزعة أركان النظام من خلال تصفية “المرشد” الذي كان يرفض ترامب استهدافه في السابق رغبةً منه في اتفاق سريع.
الخلاصة:
انتهت العملية بنجاح تكتيكي مذهل لإسرائيل، مدفوعاً بـ “المعلومة الذهبية” وفشل إيراني ذريع في تقدير الموقف. وبينما نجا من نزل إلى الخنادق السفلية، سقط أربعون قائداً كانوا يظنون أن جدران “باستر” ستحميهم من صواريخ “روكس”. لكن الأسئلة الأهم التي يجب أن تطرح بعد هذه العملية الغادرة بينما كانت المفاوضات شغالة بوساطة عمانية هي: ما الذي حصل لاحقا؟ أين وصل سعر برميل النفط؟ لماذا انهارت القبب الحديدية فوق سماء دولة الاحتلال؟ ماذا فعل صارخ فتاح ونسله الحارق في المضادات الجوية؟ لماذا يتوسل ترامب الوساطات لإيقاف الحرب؟ يسألونك عن مصير القواعد الأمريكية في الخليج؟
