التحول اللغوي بالمغرب: حان وقت التخلص النهائي من الفرنسية

الشوارع

يشهد النقاش العمومي في المغرب تحولاً جذرياً فيما يخص “المسألة اللغوية”، حيث لم يعد الحديث مقتصرًا على الصراع التقليدي بين التعريب والفرنسة، بل انفتح على آفاق كونية جديدة. وفي هذا السياق، قدم المفكر والروائي المغربي، حسن أوريد، قراءة نقدية عميقة للواقع التربوي، مؤكدًا أن المجتمع المغربي بات مستعدًا نفسيًا ومعرفيًا لفك الارتباط باللغة الفرنسية والانفتاح على لغات العصر، مع تقديم مقاربات علمية لتدريس الهوية والأمازيغية بعيدًا عن العاطفة.

تراجع الفرنسية في القرن الحادي والعشرين: العولمة والرقمنة

لم يعد خافياً على أحد أن اللغة الفرنسية تعاني من “انحسار وظيفي” عالمي في القرن الحادي والعشرين. فبينما تتربع الإنجليزية على عرش العلوم، التكنولوجيا، والاقتصاد الرقمي، بدأت الفرنسية تفقد بريقها كشرط للترقي الاجتماعي أو العلمي. ويرى حسن أوريد أن الوضع الاعتباري للفرنسية في المغرب ارتبط بظروف تاريخية وإدارية معينة ولت إلى غير رجعة. في ظل الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، أصبحت المعرفة متاحة بلغات أكثر حيوية، مما يجعل التمسك بالفرنسية عائقاً أمام الانفتاح الكوني، خاصة وأن الجيل الجديد من المغاربة أصبح أكثر استيعاباً وميلاً للغة الإنجليزية التي تمنحهم مفاتيح المستقبل التقني.

نماذج ملهمة: دول تخلصت من هيمنة الفرنسية  

ليست دعوات الاستغناء عن الفرنسية ضرباً من الخيال، بل هي واقع جسدته دول عديدة نجحت في تنويع شركائها اللغويين. دول مثل رواندا اتخذت قراراً جريئاً بالانتقال الكامل نحو الإنجليزية في التعليم والإدارة، مما ساهم في تحقيق طفرة اقتصادية وانفتاح على دول شرق أفريقيا والعالم. كما أن دولاً في جنوب شرق آسيا وأوروبا الشرقية، التي كانت ترتبط بمنظومات لغوية مغلقة، اختارت “لغة العلم” كخيار استراتيجي. وفي المغرب، يرى أوريد أن التغيرات السوسيولوجية الحالية تؤكد أن المواطن المغربي تجاوز العقدة اللغوية وأصبح جاهزاً للانتقال المباشر نحو الإنجليزية دون الحاجة لوساطة لغوية “فرانكوفونية” لم تعد تقدم القيمة المضافة المطلوبة في المواد العلمية.

المقاربة العلمية لتدريس الأمازيغية 

حذر حسن أوريد من تكرار “فشل تجربة التعريب” في ملف اللغة الأمازيغية. ويرى أن التدريس المبني على العاطفة وردود الفعل السياسية هو وصفة للتعثر. ولتجنب هذا المصير، تبرز الحاجة إلى الطريقة العلمية التي تتلخص في النقاط التالية:

  1. التقعيد والتدبير: الانتقال من الشفوي إلى الكتابي عبر مسار علمي متأنٍ وليس بقرارات فوقية مفاجئة.
  2. المعيرة والتوافق: إيجاد صيغة لغوية معيارية تجمع بين الروافد (تريفيت، تمازيغت، تشلحيت) دون إقصاء للخصوصيات المحلية.
  3. العقلنة: ضرورة بذل الدولة لجهد مؤسساتي حقيقي يعتمد على البحث الأكاديمي الرصين بدلاً من الحماس اللحظي.
  4. التوازن: ربط اللغة بالهوية والقيم مع الحفاظ على الانفتاح العلمي، بحيث لا تتحول الأمازيغية إلى مجرد “لغة شعارات” بل لغة معرفة وتواصل.

  عصر الذكاء الاصطناعي: تحديات المدرسة المغربية الجديدة

لم تعد القضية تتعلق باللغة فقط، بل بالأدوات. يشير أوريد إلى أن الذكاء الاصطناعي والثورة الرقمية يفرضان تحدياً وجودياً على المنظومة التربوية. فالمدرسة التي كانت تعمل قبل ثلاثين عاماً لم تعد صالحة لليوم. هناك شُعب دراسية كاملة أصبحت “مهددة” بالزوال أمام ذكاء الآلة، مما يستوجب إعادة النظر في طرق التدريس. ومع ذلك، يشدد أوريد على “الثوابت”؛ فالمدرسة مهما تطورت تكنولوجياً، يجب أن تظل مرتبطة بقيم الانتماء والهوية والتاريخ، لخلق توازن بين “المتغير” التقني و”الثابت” القيمي الذي يشكل شخصية التلميذ المغربي.

 

الخلاصة: رؤية حسن أوريد تدق ناقوس الخطر وتفتح باب الأمل في آن واحد. الاستغناء عن الفرنسية ليس معاداة لثقافة معينة، بل هو استجابة لواقع يفرض الإنجليزية لغةً للعلم، والأمازيغية لغةً للهوية بمعايير علمية، والعربية لغةً حضارية تحتاج لتطوير أدواتها في العلوم.

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد