التزييف العميق في زمن الحروب: كيف تكشف فيديوهات وصور مفبركة وسط الضجيج

الشوارع

في ظل التصعيد المتسارع الذي تشهده الساحات الدولية، وتحديداً في منطقة الشرق الأوسط، لم تعد المعارك تقتصر على الميدان الفعلي فحسب، بل امتدت لتشمل “فضاءً سيبرانياً” مشتعلاً. ومع تدفق الأخبار بسرعة البرق، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي هي المصدر الأول للمعلومات، لكنها في الوقت ذاته باتت بيئة خصبة لنشر محتوى مضلل يمزج بين الحقيقة والخيال، مما يضع وعي المستخدم على المحك.

1. التزييف العميق (Deepfakes): 

لم تعد الأخبار الزائفة مجرد شائعات نصية، بل تطورت بفضل الذكاء الاصطناعي لتصبح “تزييفاً عميقاً” (Deepfakes). هذه التقنية تعتمد على خوارزميات التعلم الآلي لتبديل الوجوه أو محاكاة الأصوات بدقة مذهلة، مما يسمح بإنتاج مقاطع فيديو تظهر قادة سياسيين أو عسكريين يدلون بتصريحات لم تحدث قط، أو توثق هجمات وهمية تهدف إلى زعزعة الاستقرار وبث الرعب.

يؤكد ماهر يمّوت، الباحث الرئيسي في الأمن لدى شركة «كاسبرسكي»، أن التمييز بين الحقيقة والتزييف أصبح تحدياً هائلاً خلال حالات الطوارئ. ففي هذه الأوقات، ترتفع حدة العواطف، ويميل المستخدمون غريزياً إلى مشاركة المحتوى الذي يثير صدمتهم دون التحقق من مصدره، مما يمنح الفيديوهات المفبركة “تأشيرة عبور” لملايين الشاشات في دقائق معدودة.

2.لماذا نصدق الأخبار الزائفة أثناء الأزمات؟

تصنف التقارير الأمنية المعلومات المضللة إلى فئتين خطيرتين:

  • المحتوى المفبرك بالكامل: وهو الذي يتم إنشاؤه من العدم باستخدام الذكاء الاصطناعي لتوجيه الرأي العام نحو رواية معينة.
  • المحتوى المجتزأ: وهو الأخطر، حيث يتم أخذ جزء من حقيقة واقعة ودمجه مع تفاصيل كاذبة أو مبالغ فيها، مما يمنح الخبر “مسحة من المصداقية” تخدع المتلقي العادي.

إن انتشار هذه المعلومات لا يهدف فقط إلى التضليل، بل يسعى أحياناً لتحقيق مكاسب مادية عبر جذب الزيارات لمواقع مشبوهة، أو تحقيق أهداف سياسية عبر خلق حالة من الإحباط أو التحريض. ومن هنا، بدأت السلطات في دول عدة، لا سيما في مجلس التعاون الخليجي، بالتحذير من أن تداول هذه الأخبار ليس مجرد خطأ اجتماعي، بل قد يترتب عليه مسؤولية قانونية جسيمة.

3. خطوات بسيطة تكشف الخداع الرقمي

لحماية نفسك من الوقوع في فخ التضليل، يضع خبراء الأمن السيبراني “بروتوكولاً” للتحقق يتلخص في النقاط التالية:

  • فحص “رابط” المصدر (URL): تعمد المواقع الزائفة إلى تقليد أسماء مؤسسات إعلامية كبرى مع تغيير حرف واحد أو استخدام نطاقات غير مألوفة. ابحث دائماً عن علامة التوثيق.
  • البحث العكسي عن الصور: استخدم أدوات مثل (Google Reverse Image Search) للتأكد مما إذا كانت الصورة قديمة أو تم استخدامها في سياق زمن مختلف.
  • تحليل المحتوى البصري: دقق في التفاصيل الصغيرة؛ التزييف العميق غالباً ما يترك أخطاء في حركة العينين، أو ظلالاً غير منطقية، أو عدم تطابق بين حركة الشفاه والصوت.
  • تعدد المصادر: لا تعتمد على منشور وحيد في “إكس” (تويتر سابقاً) أو “تيك توك”. إذا كان الحدث جسيماً، فلا بد أن تتناوله كبرى الوكالات الإخبارية الرسمية والموثوقة.

4. قاعدة “فكر قبل أن تنشر”

يعتمد صانعو المحتوى المضلل على “التلاعب بالمشاعر”. العناوين التي تثير الغضب أو الخوف الشديد هي الأكثر انتشاراً لأنها تعطل التفكير النقدي لدى الإنسان. وهنا يأتي دور المسؤولية الفردية؛ فالمستخدم هو خط الدفاع الأخير.

إن القاعدة الذهبية التي ينصح بها الخبراء هي: “إذا ساورك أدنى شك، فلا تشارك”. إن التوقف عن ضغط زر المشاركة (Share) قد يساهم في وأد شائعة كان من الممكن أن تتسبب في كارثة على أرض الواقع. ومع تطور التكنولوجيا، تظل “الحقيقة” هي الضحية الأولى في الحروب، وحمايتها تتطلب وعياً جمعياً يبدأ من شاشة هاتفك.

 

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد