لغة الحيوان لفهم “السمسار”: “ولد السالمية” ينقذنا من جنون ترامب ونتنياهو
أحمد الجــَلالي
ونحن صبية مقبلون بالفطرة والغريزة على هذه الحياة، كنا نتسلى بأبسط تفاصيل الطبيعة ونتوقف بدهشة لا سبيل لنا إليها اليوم عند “البديهيات” مستغربين منها.منظر جلباب الكبار بقرنين في أعلى الرأس كان يشبه في مخيلتنا “قرني الضفضع” البري ذي الرائحة النتنة. مكانا أثر الحجامة على القفا من بعيد يتبدى كما لو كان يشبه إطارات مصابيح الإضاءة في خلفية شاحنة “بيدفورد” الحمراء وهي تأكل الطريق أكلا في اتجاه غايتها.
الحيوان الأستاذ
نهيق حمار “اشقيره”، وفق إيقاع مضبوط لا يغيره، أخذ مكانه في خزانة مخي الصوتية، إلى جانب مئات الأغاني ومقدماتها الموسيقية التي كنت وما أزال أحفظها عن ظهر غيب.
عينا أنثى الزوش وهي في قمة أعلى بيت عندنا كانت توحي لي بتشابه فظيع بينها وجارتنا “بنت فلان” من حيث اللون حولها وطريقة تحري الرأس.
سعينا إلى تفسير كل شيء كي نرتاح من “مجاز الكبار”، تلك اللغة التي كانت تبدو لنا غريبة أو غير منطقية لأنها تقول شيئا وتعني خلافه مرارا.
ومن حسن الحظ أن تلك الطفولة البعيدة تخلها أشخاص ساعدوني في “تأويل” بعص ما استعصى. كان من بين “المفسرين” عمي بنعيسى ولد السالمية، شيخ الصيادين الذي لم يعلمني أصول الرماية فحسب بل تطوع ليفسر لي ولأقراني لغة الطير.
قال با بنعيسى إن أسراب الزوش عندما تكون منهمكة في افتراس الحقوق تقول لبعضها ” سكت امك، سكت أختك” لكن حين تسمع صوت البارود تنطلق بسرعة وهي تلوم بعضها “قلتها لك..قلتها لك”.
أما عن صوت طائر خبيث آخر فقد زعم با بنعيسى أنه يقول في إحدى تغريداته: اطفيو..اطفيو”. رحم الله ولد السالمية.
مجاولة فهم العالم
ما أسباب نزول “لغة الطير” هذه والعالم مشغول بقلق لا يوصف من حرب مدمرة ضد إيران من قبل الأمريكان وحليفهم الوحيد في العالم، الكيان المؤقت؟
هناك أسباب نزول وهبوط لهذا بذاك، بلا شك.
إذ لكي تفهم هذا العالم الذي أصبح يحكم أقوى دولة فيه سمسار عقار لم يعد مجديا الركون إلى المنطق الطبيعي و لا العقل ولا الضمير ولا أي من بديهيات بني آدم.
صار ولا بد الاستنجاد بقاموس الحيوان قصد تسول بعض المعنى لعالم فقد حتى رائحة المعاني.
حرب لم تكن ضرورية أبدا بل كانت مفاوضات جدية بشأنها قد أوصلتها إلى حل حقيقي بعد تنازلات بسقف أكبر مما تخيل الأمريكي لكن سمسار العقار غدر للمرة الثانية وراح يقصف طهران ليقتل رأس هرم السلطة بها وعشرات القيادات من الصف الأول ثم يعلن أنه سيغير النظام وبعد أيام صرح بأنه لا بأس ببقاء النظام ثم لاحقا قال ليبق النظام على أن أختار لكم مرشدا.
وبعد ساعات عاد ليقول إن الحرب حققت أهدافها ولم يعد هناك ما يمكن قصفه ثم انقلب على لسانه وأعلن أن هناك أهدافا أخرى متبقية، وفي اليوم الموالي أعلن أن سلاح إيران انتهى برا وجوا وبحرا.
وعندما أغلقت إيران مضيق هرمز زعم ترامب أن الطريق سالكة وعلى سفن الغرب أن تتحلى بالشجاعة للعبور. وعندما استمر أغلاق المعبر وبدأ سفن أصحاب الشجاعة تحترق في المياه المالكة استسرخ ترامب الشرق والغرب طلبا للعون فلم يجبه أحد من إسبانيا التي قلبت الطاولة إلى بريطانيا “أم المكر والخبث كلهما” فانقلب ترامب مثل طفل نرجسي غاضب يلعن العالم كله ويتوعد.
وبين هذا وذاك يرسل المراسيل سرا إلى أبوعلي بوتين وزعيم الصين بهدف التوسط،وللإعلام تارة يقول إن إيران لا تريد التفاوض وتارة يصرح أنهم يرسلون له طلبا للتفاوض ثم ينقلب ليقول “أشياء” بين الأول والثاني.
لقد ضربت العالم جائحة عقلية أتلفت شعوب الأرض حتى أصبحت توصل مثل هؤلاء المجانين إلى كراسي الحكم وتضع بين أصابعهم أزرار النووي.
ومع ذلك لابد للعقل أن يفهم ما يجري ويدور في هذا العالم المخمور تماما، ولكن ما السبيل لكي نفهم فلا تضيع عقولنا، أو نرسم صورا لهذه الكوارث والظواهر السياسية، كما في تلك الطفولة التي أنقذنا الحيوان خلالها ببعض الصور والدروس فشعرنا بلذة التخلص من غموض الواقع.
صور كلبية:
يقول البدو الحكماء إن من يقع في ورطة مثل كلب أكل “منجلا” فلا هو تمكن من ابتلاعه ولا هو استطاع إرجاعه وعلى مثل هذه “الحصلة الترامبية” يقولون عن الكلب غير الرئيس: عند خراه تسمع عواه..يعني النتيجة بعد قضاء الحاجة.
غير أننا لسنا متأكدين متى تنتهي هذه الحرب المجنونة فاقدة الأهداف حتى نتكهن بتوقيت ذهاب ترامب إلى “الخلاء” في البيض الأبيض، كي نسمع عواءه الرئاسي الفاخر.
ومرة أخرى مع الكلاب غير المتوجة، يقول “سيادنا لعروبية” إن من لا يقيم حسابا للعواقب الوخيمة ويكون ضحية لتسرعه ونزقه تنطبق عليه حكاية الكلب العقور الذي يعض بقية الذكور لينفرد بالكلبة فيواقعها ظنا منه أن الأمر سيكون على هواه (من حيث المدة) فيجد نفسه محكوما بـ”فلكة” الكلبة…ثم “فكو يا من وحلتو”.
هذا حال رئيس الولايات المتحدة الذي وقع في كثير من مصائد الفرس، وليس في هرمز فقط، بل في شراك إقليمية وعالمية، ومنها الكساد القادر لأمريكا قبل غيرها في الأمد الأسود المنظور.
وأنا ـ في هذا المقطع الكلبي ـ أبدا لم يدر في خلدي عقد أية مقارنة حيوانية بحق الأمة الفارسية المحترمة، والتي يعد عمرها بآلاف السنين، وأعترف أن من عشاق موسيقاها ومعجب بآلاتها المحلية وتراث علمائها الأفذاذ ومن بينهم عبد الله بن محمد بن موسى الخوارزمي، و الذي بفضله وصلت البشرية إلى الإنترنت والقمر الصناعي، كما أشعر تجاههم بنوع من الغيرة المشروعة: كيف تمكنوا من تكنولوجيا تناطح الإمبراطورية الأمريكية وتتقب قباب دولة الاحتلال رغم حصار مطبق عليهم دام نصف قرن؟
غير أني أقصد إسدال ستار “تكلباويت” عمدا على من يستحقها وقد راودني هنا هذا البيت الشعري لدعبل الخزاعي حيث يقول:
“كذلك أهل الكهف في الكهف سبعةٌ
خيارٌ إذا عُدّوا وثامنهم كلبُ
وإني لأعلي كلبهم عنك رفعةً
لأنك ذو ذنبٍ وليسَ له ذنبُ”.
لا يمكن لمن كان سويا من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلا أن يشعر بالقهر وينفجر غضبا من رؤية شعوب ودول وقد المنطقة صارت مسرحا لحرب الكبار، والأمر أن القواعد الأمريكية التي شيدت على نفقتهم كي “تحميهم” صاروا هم من عليهم حمايتها، والأكثر مرارة وإذلالا أن الخليج من سيدفع فاتورة الحرب بعد أن تضع أوزارها الثقيلة جدا.
ولكي لا نبتعد عن قاموس الحيوان المنقذ من الضلال والإذلال الترامبي فالعرب يقولون هذه الأيام إنهم لا ناقة لهم في هذه الحرب ولا جمل.ولكن مع شديد الأسف، لو عادوا إلى زمن الناقة لكانت وضعيتهم وكرامتهم بمليون مرة أحسن واشرف مما هم عليه اليوم.
ألو الشعراء
العرب أبناء جلدة تحفها البلاغة والشعر. فقد بقي الشعر في الأفراح والمفاخر والأحزان إلى أن جاء الشعر “الحر” فقلب بعض المعادلات الفنية، ومنهم محمود درويش صاحب “الطائرات تطير والأشجار تسقط والمباني تخبز السكان”، ولو عاش شاعر القضية إلى يومنا هذا فلسنا ندري كيف كان سيعبر عن حال غزة بعد الإبادة المستمرة ولا أي صورة شعرية كانت ستندلق من بين شفتيه ليرى آلاف الصواريخ تساقط على رؤوس البشر والعمران في “تل الربيع” المحتلة.
نعم الصواريخ تطير وتحرث دبي وغيرها حرث من لا ينوي أن يكون بعده حصاد أبدا. وما بين الحرث الإيراني المستمر وذاكرة رواية “مدن الملح” تبرز هامة الروائي الفذ العبقري عبد الرحمان منيف في خماسيته الاستثنائية في تاريخ الأدب العربي الحديث والمعاصر.
يا مدن الملح ألم تفكري في الطوفان فتصنعي لنفسك قوارب نجاة تحسبا لأيام الطوفان؟
يجب أحمد مطر في لافتاته: اصقل سيفك يا عباس.
قبل عقود حدثنا الساخر المثقف أحمد السنوسي عبر شريط كاسيط عن “الحيوانات المرضى بالنفطاعون”، وهاهي ذي نبوءتك يا سي بزيز قد تحققت فأصبحت مشكلة النفط طاعونا لا يبقي ولا يذر.
وهاهي مئات الناقلات مشتعلة في البحر وليس فوق أمواجه طيور المرحوم ولد السالمية لتصرخ في العالم المحشش: اطفيوا اطفيوا..لا سبيل للإطفاء اليوم.
المغرب والحرب
ورغم بعد المغرب جغرافيا عن ملعب الحرب الذي قد يصبح نوويا فلنا كما لغيرنا نصيب من لهيبها. فحروب هذا القرن معولمة بكل معنى الكلمة: ستصيبنا جميعا شرقا وغربا وشمالا وجنوبا إن لم يكن في أرواحنا وإجسادنا ففي جيوبنا وقوتنا.
لقد تنفس سماسرة الأزمات عندنا الصعداء عندما أعلن عن الحرب في الخليج فكانوا يتربصون بموعد بداية الزيادات في كل شيء، وهم يفركون أصابعهم، بتلذذ طفل ينتظر طلوع شمس اليوم الموالي ليحتفي بعيد الفطر.
والله تعالى نسأل اللطف في ما جرب به المقادر فقد أقحم اسم مواطن مغربي في معمعان الحرب هذه،و لم ينتبه له أحد سواي لحسن الحظ، ويتعلق الإقحام بالمواطن عبد العزيز الستاتي ظلما وعدوانا عندما صنعوا فيديو لبنيامين نتنياهو (المطلوب للعدالة كمجرم حرب) وركزوا “بغل شديد” على أصبعه السادس، أي أرادوا أن يحولوه إلى “ستاتي”، والحال أن أجمل ستاتي في الكون هو عبد العزيز “ديالنا” المطرب الشعبي الجميل الناطق باسم الفن الشعبي المغربي.
عبد العزيز “الستاتي”
الستاتي ديالنا يرقص عشرات الآلاف في ساحة واحدة في سهرة واحدة مجانا..أما الستاتي ديالهم فقد قتل عشرات الآلاف بقنابل قيمتها عشرات ملايير الدولارات.
الستاتي ديالنا غنى “اللي بغاه الله كاع بغيناه” فيما الستاتي لاخر أعلن للشرق الأوسط كأي فرعون: أنا ربكم الأعلى.
وقبل عبد العزيز قال لنا المرحوم ولد قدور، الأسطورة الفنية في العلوة: شوف ولد المسخوط لي خرج المازوط”.
تماما، ففي زمن سخط المازوط الذي يلقي على خزاناته في جريرة “خرج” ترامب وقرينه نتنياهو بأعواد الثقاب في استهتار بحاضر ومستقبل ملايير البشر، بدا أقرب إلى التحقق أن هؤلاء العجزة المجانين قد شعروا بملل قاتل فقرروا أن يحرقوا هذا العالم، لكن في المقابل، وبما أن رئيس مصر الراحل حسني مبارك قال قولته الشهيرة: المغطي بالأمريكان عريان، فإن الشوكة اللاذعة قد وصلت النقطة الحرجة في طريق اقترابها من مؤخرة العريان..وما أكثر العرايا في هذا الزمن حتى لو تظاهروا بأنهم مستورون بجلود الدببة القطبية البيضاء السميكة.
