المغرب في مؤشرات 2026: استقرار بذيل قائمة السعادة وتراجع للديمقراطية

الشوارع

كشفت التقارير الدولية الصادرة لعام 2026 عن صورة مركبة للواقع الاجتماعي والسياسي في المملكة المغربية. فبينما يحاول المجتمع المغربي الصمود أمام التحديات الاقتصادية والاجتماعية، تضع المؤشرات العالمية البلاد في مراتب متأخرة سواء على مستوى “السعادة” التي تقيس جودة الحياة النفسية والمادية، أو على مستوى “الديمقراطية” التي ترصد جودة المؤسسات والحريات. هذا التلازم بين ضعف التنقيط في الرفاه وترجع المؤشرات السياسية يطرح تساؤلات عميقة حول مسارات التنمية والتحول الديمقراطي في البلاد.

سعادة معلقة: التكافل الاجتماعي يواجه تغول الفساد

احتل المغرب المركز 112 عالمياً في تقرير السعادة العالمي لسنة 2026 من أصل 147 دولة، محافظاً على مركزه الذي سجله العام الماضي، لكنه بقي متراجعاً بخمس مراكز عما كان عليه في 2024. وبحصوله على 4.46 نقطة من أصل 10، يجد المغرب نفسه ضمن الثلث الأخير دولياً، بعيداً عن المتصدرة فنلندا، وفي رتبة متأخرة عربياً (المركز 11)، خلف دول مثل ليبيا والجزائر وفلسطين.

وبالنظر في تفاصيل التنقيط، يظهر أن “التكافل الاجتماعي” هو الركيزة الأساسية التي تمنع انهيار مؤشر السعادة لدى المغاربة؛ حيث لا يزال الشعور بسند العائلة والمجتمع قوياً. كما ساهم تحسن متوسط العمر الصحي وحرية اتخاذ القرارات الشخصية في دعم الرصيد المغربي. في المقابل، يبرز “الفساد” كعدو أول لسعادة المواطنين، متبوعاً بضعف نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي. ومن المفارقات المثيرة التي سجلها التقرير، أن المغاربة أقل استخداماً مفرطاً لمواقع التواصل الاجتماعي مقارنة بجيرانهم العرب (15% فقط يقضون أكثر من 5 ساعات يومياً)، وهو ما خفف نسبياً من الآثار النفسية السلبية لهذه المنصات.

تصنيف الديمقراطية: المغرب في خانة “الأوتوقراطية”

على الجانب السياسي، جاءت معطيات تقرير الديمقراطية لسنة 2026 الصادر عن معهد “فاريتيز أوف ديموكراسي” (V-Dem) أكثر قسوة، حيث صنف المغرب ضمن فئة “الأنظمة الأوتوقراطية ذات الطابع المغلق”. واحتلت المملكة المرتبة 107 عالمياً في مؤشر الديمقراطية الليبرالية، وهي مرتبة تضعه في النصف الأدنى عالمياً، بعيداً عن فئة الديمقراطيات الانتخابية أو الليبرالية.

ويعزو التقرير هذا التصنيف إلى تراجع مستويات التعددية السياسية، وضعف نزاهة العمليات الانتخابية، وضيق مساحات الحريات المدنية. ووفقاً لمنهجية “أنظمة العالم”، يندرج المغرب ضمن الدول التي تسجل مستويات محدودة في فصل السلط وسيادة القانون. هذا التراجع ليس معزولاً، بل يأتي ضمن سياق إقليمي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، التي صنفها الخبراء كأقل مناطق العالم ديمقراطية، حيث تعيش الغالبية العظمى من سكانها في ظل غياب ديموقراطية حقيقية.

أزمة الحريات: الانحسار العالمي وتحدي التعبير

أكد التقرير، المستند إلى بيانات من 4200 خبير، أن حرية التعبير هي القاسم المشترك في التراجع العالمي، حيث تدهورت في 44 دولة خلال العام الماضي فقط. وفي الحالة المغربية، يربط التقرير بين التصنيف الأوتوقراطي وبين أدوات الضبط المتبعة، مثل التضييق على الإعلام ومراقبة أنشطة المجتمع المدني والحد من التعددية الحقيقية.

خاتمة

إن هذه المؤشرات المتقاطعة بين السعادة والديمقراطية ترسم خريطة طريق واضحة لصناع القرار؛ فغياب العدالة السياسية وضيق أفق التعبير يؤثران بشكل مباشر على الاستقرار النفسي والمادي للمواطنين. فالسعادة في مفهومها الحديث ليست مجرد غياب للألم، بل هي نتاج لبيئة تضمن الكرامة، والنزاهة، والمشاركة السياسية الفعالة، وهي معايير لا يزال المغرب يكافح لتسلق درجاتها في التصنيفات الدولية.

 

 

 

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد