الشوارع
في الوقت الذي ينتظر فيه المغاربة “الدولة الاجتماعية” التي وُعدوا بها في الحملات الانتخابية، استيقظوا على وقع “غزوة” جديدة استهدفت جيوبهم بزيادة اسعار المحروقات في الساعات الأولى من الصباح عبر غارة حكومية غادرة.
رئيس حكومتنا الموقر توقيرا شديدا، عزيز أخنوش، الذي يجمع بين تدبير الشأن العام والتربع على عرش سوق المحروقات عبر شركته “أفريقيا”، يبدو أنه وجد في أزمة مضيق هرمز لعام 2026 فرصة ذهبية لممارسة هوايته المفضلة: “الرفع السريع للأسعار والخفض السلحفاتي لها”.
قفز لتر الغازوال إلى 13 درهماً والبنزين إلى 15.10 درهماً، في مشهد سريالي يجعلنا نتساءل: هل نحن أمام حكومة تدبر أزمة، أم أمام مجلس إدارة لشركة عملاقة تدير بلداً؟
تضخم “مستورد” أم جشع “محلي”؟
تتذرع الحكومة بـ “التضخم المستورد” والاضطرابات الدولية، لكن الأرقام تكشف المستور؛ فبينما يبلغ ثمن الشراء دولياً حوالي 7 دراهم، يجد المواطن نفسه يدفع الضعف تقريباً. الفارق هنا لا يذهب فقط للضرائب، بل يتبخر في “هوامش أرباح” الموزعين الذين يقودهم رئيس الجهاز التنفيذي نفسه.
المثير للسخرية السوداء هو سرعة استجابة المحطات للزيادة، حيث يطبقونها بلمحة بصر بمجرد سماع الأنباء، بينما يحتاج خفض السعر إلى “دراسات استراتيجية” ولجان برلمانية قد تستغرق شهوراً. هذا التواطؤ المكشوف دفع المعارضة للحديث عن “ممارسات جشعة” تتوهم أن مخزون المغرب الاستراتيجي هو “حصالة” لتعظيم الأرباح بدلاً من حماية السلم الاجتماعي.
مقصلة لاسمير وأنابيب الريع
لا يمكن الحديث عن لهيب الأسعار دون البكاء على أطلال مصفاة “لاسمير” بالمحمدية، التي تبدو كـ “عدو لدود” لبارونات الاستيراد. إن الإصرار العجيب على إبقاء المصفاة مغلقة رغم كل الأزمات ليس “خطأ إدارياً”، بل هو قرار سياسي بامتياز لضمان استمرار ريع الاستيراد الذي يسيطر عليه “مول المحروقات”.
إعادة تشغيل لاسمير تعني تخفيض كلفة التكرير وتوفير مخزون حقيقي، وهو أمر يبدو أنه يزعج “تجار الأزمات” الذين يفضلون توزيع “دعم المهنيين” (من أموال دافعي الضرائب) ليعود في النهاية إلى جيوب شركاتهم في دورة اقتصادية “عائلية” بامتياز.
دعم المهنيين: من جيوبنا وإليهم نردها
أما حكاية “الدعم الاستثنائي” لمهنيي النقل، فهي النكتة الأكثر سماجة؛ فالحكومة تضخ المليارات من ميزانية الدولة لتعويض المهنيين عن غلاء الوقود، والمهنيون بدورهم يفرغون هذا الدعم في محطات الوقود التابعة لكبار الموزعين. النتيجة؟ المواطن يدفع مرتين: مرة عبر الضرائب التي تمول الدعم، ومرة عند ركوب سيارة الأجرة أو شراء الخضر التي لم تنخفض أسعارها يوماً.
إنها “عبقرية” أخنوشية في إدارة الثروة، حيث يتم تحويل الأزمة إلى فرصة لتدوير المال العام داخل قنوات القطاع الخاص المحتكر، بينما يُترك 40 مليون مغربي يواجهون “التغول الرأسمالي” بصدور عارية وأجياب فارغة.إنه زمن لهيب أسعار المحروقات.
