كوريا الشمالية ـ إيران: انتخاب مجتبى و إحياء طموح الردع النووي المشترك

الشوارع

في توقيت جيوسياسي بالغ الحساسية، ومع تصاعد وتيرة التوترات في الشرق الأوسط، برزت رسالة تضامن لافتة من بيونغ يانغ تجاه طهران، لم تكن مجرد بروتوكول دبلوماسي عابر، بل حملت في طياتها دلالات استراتيجية عميقة. فمع إعلان كوريا الشمالية دعمها لانتخاب مجتبى خامنئي مرشداً أعلى للبلاد، تسلطت الأضواء مجدداً على واحدة من أكثر الشراكات إثارة للجدل في العصر الحديث: التحالف العسكري بين كوريا الشمالية وإيران.

1. تضامن سياسي في وجه “العدو المشترك”

لم تكتفِ وزارة الخارجية الكورية الشمالية بمباركة الخيار الإيراني في القيادة، بل شنت هجوماً لاذعاً على ما وصفته بـ “سلوك العصابات” للولايات المتحدة وإسرائيل. هذا الخطاب التصعيدي يأتي في ظل ضربات عسكرية استهدفت العمق الإيراني، وهو ما تعتبره بيونغ يانغ تهديداً لأسس السلام العالمي.

المفارقة هنا تكمن في “دبلوماسية التوازن” التي يتبعها الزعيم كيم جونغ أون؛ فبينما يهاجم واشنطن لدعم طهران، يترك الباب موارباً أمام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي لم يخفِ رغبته في لقاء كيم مجدداً. هذا التشابك السياسي يعكس رغبة كوريا الشمالية في استغلال الأزمات الإقليمية لتعزيز أوراق ضغطها الدولية، مع التأكيد على أن حلفاءها في طهران ليسوا وحدهم في مواجهة الضغوط الغربية.

2. تاريخ من التعاون العسكري: من “سكود” إلى “شهاب”

تعود جذور هذه الشراكة إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال الحرب الإيرانية العراقية. في ذلك الوقت، كانت بيونغ يانغ المورد الرئيسي لصواريخ “سكود – بي” و”سكود – سي” التي اعتمدت عليها طهران في حماية أمنها القومي. لم يتوقف التعاون عند حدود البيع والشراء، بل امتد ليشمل نقل التكنولوجيا والتدريب الفني.

يشير الخبراء إلى أن سلسلة صواريخ “شهاب” الإيرانية الشهيرة، ليست في جوهرها سوى تطوير لتكنولوجيا صاروخ “نودونغ” الكوري الشمالي. وبالرغم من عدم وجود أدلة قاطعة على تعاون نووي كامل، إلا أن تقارير استخباراتية غربية زعمت مراراً وجود علماء إيرانيين في مواقع التجارب النووية الكورية الشمالية بين عامي 2006 و2013، مما يعزز فرضية “تكامل الخبرات” بين الدولتين الخاضعتين لأقسى العقوبات الدولية.

3. العلاقة النفعية: النفط مقابل التكنولوجيا الصاروخية

يرى “فيكتور وانغ”، الباحث في الشأن الكوري بجامعة تايبيه الوطنية، أن المحرك الأساسي لهذه العلاقة هو “النفعية المتبادلة”. ففي ظل العزلة الدولية، تجد إيران في كوريا الشمالية مصدراً لا ينضب لتقنيات الردع التي يصعب الحصول عليها من الغرب. وفي المقابل، تفتح إيران خزائنها الطاقوية لتزويد كوريا الشمالية بالنفط ومصادر الطاقة الحيوية لاستمرار اقتصادها المنهك.

ويضيف وانغ أن السياسة الخارجية لبيونغ يانغ لا تعرف “الخطوط الحمراء”؛ فالحكومة الكورية الشمالية مستعدة لتجاوز كافة التحفظات الدولية إذا كان ذلك يخدم أمنها القومي. وما إرسال قوات كورية لمساندة روسيا في حرب أوكرانيا مؤخراً إلا دليل على أن كيم جونغ أون مستعد لتوسيع دائرة تحالفاته العسكرية لتشمل كافة الخصوم التقليديين لواشنطن، وهو ما قد يتكرر مع طهران في مرحلة ما بعد الحرب الحالية.

4. رسائل “صواريخ كروز”: تسويق السلاح في زمن الأزمات

في خطوة استعراضية، أعلنت بيونغ يانغ مؤخراً عن تجربة ناجحة لصاروخ كروز استراتيجي بعيد المدى يُطلق من المدمرات البحرية. وصف الزعيم كيم هذه الأسلحة بأنها “استراتيجية”، وهو مصطلح يشير غالباً إلى قدرتها على حمل رؤوس نووية.

هذه التجارب ليست مجرد استعراض قوة، بل هي “واجهة عرض” للمشترين المحتملين. يرى مراقبون أن توقيت هذه التجارب يحمل رسالة مشفرة لطهران: “نحن نمتلك تكنولوجيا الردع التي تحتاجونها في المرحلة المقبلة”. إن تعزيز قدرات الردع النووي والصاروخي يمثل القاسم المشترك الأكبر بين الدولتين، ومع دخول القيادة الإيرانية الجديدة مرحلة ترتيب الأوراق، قد نشهد فصلاً جديداً وأكثر خطورة من التعاون العسكري العابر للقارات.

 

 

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد