الشوارع
يبدو أن القدر قرر أن يضع الدبلوماسية الجزائرية في اختبار “رومانسي” من نوع خاص، حيث تتزاحم جميلات السياسة الأوروبية على أبواب قصر المرادية. فبينما تحط “جورجيا ميلوني” رحالها في العاصمة وسط زغاريد الإعلام الرسمي، تطل علينا “سيغولين رويال” من باريس بتغريدات “باكية” تشبه دموع التماسيح السياسية. والمواطن الجزائري المسكين يتساءل: هل نحن بصدد بناء “شراكة ندية” أم أننا تحولنا إلى “محطة بنزين” عملاقة توفر الرفاهية للقارة العجوز بينما نكتفي نحن بمشاهدة عداد اللترات؟
ميلوني.. وقصة الحب من أول “أنبوب”
دخلت جورجيا ميلوني الجزائر وهي تبتسم ابتسامة من وجد “كنزا علي بابا” في عز شتاء طاقوي قارس. الإعلام الرسمي لم يقصر، فحول الزيارة إلى فتح مبين، متجاهلاً أن لغة الأرقام تقول كلاماً آخر “يوجع القلب”. في عام 2025، بلغت قيمة التبادل مع روما 13 مليار يورو، لكن المفاجأة أن الغاز وحده التهم 8 مليارات! أي أن 83% من علاقتنا مع “الجميلة الإيطالية” هي عملية شفط منظمة لمواردنا الناضبة، مقابل ماذا؟ مقابل سيارات “فيات” ووعود استثمارية “ستأتي غداً”، وهي “غداً” التي نعرف جميعاً أنها في القاموس السياسي تعني “بعد عمر طويل”.
إيطاليا لم تأتِ حباً في سواد عيوننا، بل لأن الأنابيب القطرية انسدت، والحرب في إيران جعلت “برنت” يقفز فوق المئة دولار. ميلوني تمارس “براغماتية بائسة”؛ تأخذ الأمن الطاقوي لتشغيل مصانع تورينو، وتمنحنا لقب “المورد الموثوق”. وهذا اللقب، لمن لا يعرف، هو النسخة الدبلوماسية من عبارة “أنت صديق رائع لكن دعنا نبقى مجرد محطة وقود”. أما “خطة ماتي” التي يطبلون لها، فهي ليست سوى “نيوكولونيالية” مغلفة بورق هدايا، حيث تأخذ روما المادة الخام، وتحتفظ لنفسها بالتكنولوجيا والقرار السياسي، ونبقى نحن أسرى “الريع” في أبشع صوره.
سيغولين رويال.. “نوستالجيا” تفوح برائحة المصلحة
على الجانب الآخر من ضفة “النفاق”، تخرج علينا سيغولين رويال بتغريدات تقطر أسىً على العلاقات المقطوعة مع باريس. تصف الصراع بـ”العبثي” وتنتقد ماكرون، ليس لأنها اكتشفت فجأة أن الجزائر دولة ذات سيادة، بل لأنها “تاجر فرنسي” شاطر يرى الإيطاليين والإسبان يلتهمون الكعكة الطاقوية بينما باريس تكتفي بفتات الغاز المسال وبأسعار “سياحية” كاوية.
المضحك مبكٍ هو الاندفاع الإعلامي الجزائري الذي تلقف كلام رويال وكأنه “صك غفران” أو نصر مؤزر. الحقيقة أن رويال، التي تنتمي لنخبة ترى في الجزائر “حديقة خلفية”، لا تعتذر عن الماضي، بل تحاول ترميم الجسر لضمان تدفق “الامتيازات” التي ضاعت. هي محاولة لإنقاذ باريس من تضخم مرعب، بينما “بنات حواء” الأوروبيات يتسابقن للفوز بقلب “سوناطراك” (أو بالأحرى جيبها).
الواقع المر.. ما العمل؟
إن الحقيقة التي يهرب منها الجميع هي أن المصالح الفرنسية في الجزائر لا تزال “باقية وتتمدد” في القمح والصيدلة والخدمات، حتى دون “تغريدات” رويال. أما التعويل على عطف وزيرة سابقة أو ابتسامة رئيسة وزراء إيطالية فهو تسطيح للواقع يصل لدرجة “الغباء السياسي”. المعركة الحقيقية ليست في كسب “التعاطف”، بل في تحويل هذه التبعية الأوروبية لغازنا إلى أوراق ضغط حقيقية تفرض واقعاً اقتصادياً تصنيعياً، بدل أن نكون مجرد “رئة” تتنفس بها أوروبا في أزماتها، ثم ترمينا حين تشرق شمس الطاقات المتجددة.
بين ميلوني ورويال، يجد “تبون” نفسه في وضع لا يحسد عليه؛ الجميع يريد الغاز، والجميع يقدم الوعود، والواقع يقول إننا لا نزال نصدر المادة الخام لنستوردها لاحقاً في شكل “براغي” وسيارات. فهل نخرج من عباءة “المحطة” لنصبح “دولة مصنعة”؟ أم سنظل ننتظر زيارة “بنت حواء” القادمة لنحتفل ببيع آخر متر مكعب من مستقبلنا؟
