الشوارع
تعتبر المجتمعات المتخلفة الفن والذوق والثقافة عموما أمورا ثانوية، ويلخص هذا التصور المغاربة بـ”خضرة فوق طعام” وكأن لا دور للخضر في جودة الطعام/الكسكس الذي يثنون عليهم ــ هم أنفسهم ــ إن كان “بسبع خضاري”.
وهكذا ظل في مغربا الشعر والمسرح والغناء والإذاعة والتلفزة والموسيقى والكاسيط والسجالة و “الديسك” مجرد وسائل ترفيه انقسم الناس في الحكم عليها بين محلل ومحرم ومشترط.
ولكن الذي جاء الوقت ليعرف الناس حقيقته أن الأمور المشار إليها كلها ليست لعبا ولا لهوا ولا ترفيها ولا “تفواجا” عن الخواطر، بل إن الأمر في غاية الجدية لأنه مدرسة موازية تصنع الأجيال وتحدد طبيعة الشخصية الجماعية للمواطنين.
قارنوا مثلا بين ما صنعه الجيل الفني لما بعد الاستقلال، وتوقفوا تحديدا عند دور المجموعات الغيوانية بعروبيها/دارجها وأمازغييها وعلى رأسهم مجموعة إزنزارن. تأملوا كلمات الغيوان و كلمات محمد الحنفي، هذا الشاعر العملاق المنسي في وطنه وبين أهله، وانظروا النتائج.
بالأمس: جيل يعشق الكلمة والنغمة ويرقص بجلال وفيه “حال” وله موقف من كل شيء، واع بما يفعل وما يصنع له..ولا يعدم وسيلة راقية في التعبير.
اليوم: كل أودية ومجاري الصرف غير الصحي انفجرت وسارت في منحدرات الشبكة العنكبوتية “تراكات” و شرائط فيها كل النفايات العقلية والعاطفية والنفسية..وجدت للأسف البالغ من ينقلها في مناسبات كثيرة إلى التلفزيون العمومي ليتم التطبيع معها..والاحتفاء بها. وهاهي الأفاعي اشرأبت برؤوسها والعقارب رفعت عقيرتها تريد اللدغ باسم الفن.
وهاهم من فتحوا الأبواب لهذا المسخ وفرضوه على المواطنين داخل بيوتهم يشتكون ويبكون من هذا الشتم والتقرحات التي صار لها رأي عام..لا تنتحبوا بل ذوقوا ثمار ما غرستم وتحملوا مسؤوليتكم.
وغدا؟: لا ملامح للصورة سوى ظلام في سديم…مقدمات اليوم تقول هذا: ملايين ضائعة لا تعرف معنى لذوق أو وطن، أو قد تسأل عن وطنها فيكون جوابها عفويا: كان عندي وطن لكني “كميتو”…
هل علينا أن نرثي مرحلة صنعت لنا ذلك الحنفي الكبير مبدع “ايكيكيل” و ” فوغن ايمحضان” و ” واد ءيتمودون”..إلخ
أم علينا أن نبكي “باعروبا” رائدا خلف وراءه “السلامة” و “واش حنا هوما حنا” و “مهمومة” أم بوجميعا ألف ولحن روائع مثل “الصينية” وحيفا ويافا…وسبتة ومليلية المدن المسجونة..؟
إن إعادة امتلاك المبادرة ورسم سياسة تهذيب الذوق مازالت ممكنة: فكل الأبواق التي نعقت وصنعت المسخ، هي نفسها يمكن استعمالها وبشكل أقوى في وصفات العلاج للعقل والروح والبدن.
عسى أن تكون الرسالة وصلت إلى من يجب أن يهمه الأمر.
WWW.ACHAWARI.COM
