الشوارع
لم يعد نهائي كأس أمم إفريقيا 2025 مجرد مباراة كرة قدم انتهت بصافرة حكم، بل تحول إلى ملف قانوني شائك يترقب الجميع فصوله الأخيرة في مدينة لوزان السويسرية. فبعد قرار الاتحاد الإفريقي لكرة القدم “كاف” القاضي بسحب اللقب من منتخب السنغال ومنحه للمنتخب المغربي، باتت محكمة التحكيم الرياضية (TAS) هي الوجهة النهائية التي ستفصل في “مشروعية” هذا التتويج.
من أروقة “الكاف” إلى ردهات المحكمة الرياضية الدولية
يرى الخبراء أن هذا الملف قد يمتد لقرابة سنة كاملة، نظراً لتعقيدات الدفوعات القانونية وحجم الوثائق المقدمة. وفي هذا الصدد، يبرز تحليل المحامي الفرنسي “رومان بيزيني”، المتخصص في القانون الرياضي، الذي وضع النقاط على الحروف بخصوص حظوظ الطرفين. بيزيني، المسجل في هيئة باريس، أكد في تصريحاته لصحيفة “أونز مونديال” أن كفة المغرب هي الأرجح بنسبة تصل إلى 75%. هذا التفاؤل المغربي ليس مبنياً على عواطف، بل على حقيقة أن محكمة “الطاس” هيئة مستقلة تماماً، لا تعترف بالضغط الإعلامي أو “الدراما” الكروية، بل تحتكم حصراً للنصوص القانونية السويسرية ولوائح الهيئات الرياضية الدولية.
إن لجوء الاتحاد السنغالي للمحكمة الرياضية يعد المسار الطبيعي بعد استنفاد درجات التقاضي داخل “الكاف”. وتتطلب المسطرة إيداع طلب الطعن خلال 10 أيام فقط، مع دفع الرسوم المقررة، تليها شهور من التحقيق والمذكرات القانونية. الجدير بالذكر أن الطعن لا يوقف تنفيذ قرار “الكاف” تلقائياً؛ مما يعني أن المغرب يظل بطلاً للقارة حتى يصدر حكم نهائي يثبت أو ينقض ذلك، وهو أمر يتطلب إجراءات تحفظية معقدة إذا أراد الجانب السنغالي تعليق منصة التتويج.
المادتان 82 و84: “المقصلة” القانونية
عند تشريح قرار لجنة الاستئناف بـ”الكاف“، نجد أنه لم يكن قراراً اعتباطياً، بل استناداً صارماً لروح القانون الرياضي. الجدل يتمحور حول واقعة مغادرة لاعبي السنغال لأرضية الميدان احتجاجاً على قرار تحكيمي، وهو الفعل الذي تصفه اللوائح بـ”الانسحاب الضمني”.
تنص المادة 82 من لوائح الكاف بوضوح: “إذا انسحب فريق من المنافسة لأي سبب، أو رفض اللعب، أو غادر أرضية الملعب قبل نهاية الوقت القانوني دون إذن الحكم، فإنه يعتبر خاسراً ويقصى نهائيا”. هنا تكمن قوة الموقف المغربي؛ فعبارة “لأي سبب” الواردة في النص تغلق الباب أمام تبريرات الظلم التحكيمي أو الضغط الجماهيري. القانون هنا لا يخاطب النوايا بل الأفعال؛ وبمجرد انقطاع اللعب بإرادة أحد الطرفين، تنشأ وضعية قانونية لا يغيرها الرجوع اللاحق للميدان.
أما المادة 84، فهي تكمل المشهد العقابي، حيث تقر بهزيمة الفريق المخالف بنتيجة 3-0. القراءة الرصينة لهذه المواد تظهر دقة في الصياغة لا تترك مجالاً للتأويل. فالمحكمة الرياضية حين تنظر في الملف، ستبحث عن واقعة مادية: “هل غادر اللاعبون الملعب؟ وهل تم ذلك بإذن الحكم؟”. وبما أن الجواب على السؤال الأول هو “نعم” والثاني “لا”، فإن حظوظ تثبيت الحكم تظل مرتفعة جداً. كما أن مسؤولية المدرب السنغالي “باب ثياو” تظل قائمة، إذ إن توجيهاته للاعبين بالمغادرة كانت الشرارة التي أحرقت حظوظ السنغال في الحفاظ على اللقب، محولةً منصة التتويج من داكار إلى الرباط.
حماية اللعبة من “فوضى” الاحتجاجات
إن القضية تتجاوز مجرد فوز المغرب وخسارة السنغال؛ إنها تتعلق بهيبة المؤسسة الرياضية القارية. فالقاعدة القانونية تتسم بالعمومية والتجريد، وتطبيقها بحزم في نهائي 2025 هو رسالة لكل الاتحادات الإفريقية بأن ملاعب الكرة ليست ساحات للانسحاب والمساومة عند الغضب.
لقد قدم المنتخب المغربي في تلك الموقعة نموذجاً في الانضباط؛ حيث التزم اللاعبون بالبروتوكول الرسمي، وواجه الجمهور المغربي الاستفزازات بضبط نفس عالٍ، مما عزز موقف الملف المغربي أمام لجان التحقيق. فبينما كان الجانب السنغالي يخرق البروتوكول، كان الجانب المغربي يكرس شرعيته باحترام الإطار العام للمباراة.
إن رهان “الكاف” اليوم، ومن خلفها محكمة “الطاس” غداً، هو ترسيخ مبدأ أن القانون فوق الجميع. التغاضي عن واقعة مغادرة الملعب قد يفتح “صندوق باندورا” من الفوضى في النسخ المقبلة، حيث سيصبح الانسحاب وسيلة ضغط مشروعة لكل فريق لا يعجبه قرار تحكيمي. لذا، فإن تثبيت تتويج المغرب هو في جوهره “حماية للعبة” وضمان لاستقرار المنظومة الكروية في القارة السمراء. في نهاية المطاف، قد تخسر السنغال كأساً، لكن القارة ستربح قانوناً يحمي مستقبل منافساتها من تقلبات اللحظة وعواطف الميادين.
