العلم يكشف كيف تبتلع الثقوب السوداء المادة وتقذفها إلى الفضاء

آخر المستجدات: من جيمس ويب إلى موجات الجاذبية

 كشفت دراسة علمية حديثة عن محاكاة رقمية غير مسبوقة لما يجري في المناطق القريبة من الثقوب السوداء، وهي مناطق تُعد من أكثر البيئات تطرفًا وفوضوية في الكون. ففي هذه التخوم الكونية، تتعرض المادة لقوى جاذبية هائلة وإشعاعات كثيفة تجعل التنبؤ بسلوكها تحديًا علميًا بالغ التعقيد.

وتتميّز المناطق المحيطة بأفق الحدث بعدم الاستقرار، حيث لا يحدّ من اندفاع المادة نحو الثقب الأسود سوى الإشعاع العنيف المتدفق من قرص التراكم. هذه الظروف تؤدي إلى توهجات وانفجارات ونفاثات قوية طالما حيّرت علماء الفيزياء الفلكية.

 

نمذجة متقدمة تتجاوز تبسيطات الماضي

في هذا السياق، قدّم باحثون من معهد فلاتيرون في الولايات المتحدة دراسة تُعد الأكثر تفصيلاً حتى الآن، توضح بدقة كيف تبتلع الثقوب السوداء ذات الكتلة النجمية المادة، ثم تعيد قذف جزء منها إلى الفضاء بسرعات ومعدلات متفاوتة.

واعتمد الفريق على محاكاة حاسوبية متطورة تخلّت عن التبسيطات التي فرضتها النماذج السابقة بسبب القيود الحسابية. وبدلًا من ذلك، استند الباحثون إلى مجموعة أوسع من البيانات الفيزيائية، ما أتاح تمثيلًا أقرب إلى الواقع المعقّد لهذه الظواهر.

 

حواسيب عملاقة ونموذج فيزيائي شامل

وباستخدام حاسوبين عملاقين فائقَي القدرة، دمج العلماء بيانات رصد تدفقات التراكم حول الثقوب السوداء مع معلومات دقيقة عن دورانها وحقولها المغناطيسية. وأسفر ذلك عن تطوير نموذج يصف حركة الغاز، وسلوك الضوء، وتأثير المجالات المغناطيسية حول ثقوب سوداء لا يتجاوز حجمها كثيرًا حجم الشمس.

وقال عالم الفيزياء الفلكية ليزهونغ تشانغ، من معهد فلاتيرون، إن هذه الدراسة تمثل المرة الأولى التي تُدمج فيها أهم العمليات الفيزيائية المعروفة ضمن نموذج واحد بهذا المستوى من الدقة، مؤكدًا أن هذه الأنظمة غير خطية إلى درجة تجعل أي افتراض مبسط كفيلًا بتغيير النتائج جذريًا.

 

توافق مع الرصد الفلكي وتفسير لاختلاف المشاهدات

وأظهرت نتائج المحاكاة توافقًا لافتًا مع الرصد الفلكي لأنواع مختلفة من أنظمة الثقوب السوداء. فبينما أصبح تصوير الثقوب السوداء فائقة الكتلة ممكنًا بفضل تلسكوب أفق الحدث، لا يزال تحليل الضوء الصادر عن الثقوب السوداء الأصغر ضروريًا لفهم كيفية توزيع الطاقة فيها.

وبيّنت الدراسة أن الثقوب السوداء، عندما تجذب كميات كبيرة من المادة، تُشكّل أقراص تراكم سميكة تمتص جزءًا كبيرًا من الإشعاع، ثم تطلق الطاقة على شكل رياح ونفاثات قوية تمتد لملايين الكيلومترات.

 

دور محوري للمجالات المغناطيسية

كما كشفت المحاكاة عن تشكّل قمع ضيق يبتلع المادة بمعدلات هائلة، منتجًا حزمة إشعاع لا يمكن رصدها إلا من زوايا رؤية محددة، وهو ما يفسّر التباين الكبير في الملاحظات الفلكية بين نظام وآخر.

وأظهرت النتائج أيضًا أن المجال المغناطيسي المحيط بالثقب الأسود يلعب دورًا أساسيًا في تنظيم سلوكه، من خلال توجيه تدفق الغاز نحو أفق الحدث، ثم إعادة قذفه على هيئة رياح ونفاثات عالية الطاقة.

 

النسبية العامة في قلب المحاكاة

وأوضح تشانغ أن الخوارزمية المستخدمة في هذه الدراسة هي الوحيدة حاليًا التي تتعامل مع الإشعاع وفق قوانين النسبية العامة لأينشتاين كما يحدث في الواقع، ما يمنح نتائجها درجة عالية من الموثوقية العلمية.

وتستند هذه المحاكاة إلى دمج النسبية العامة مع نماذج دقيقة تصف سلوك بلازما الغاز، وتفاعل الضوء مع المادة في الزمكان المنحني، وتأثير الحقول المغناطيسية الشديدة.

 

آخر المستجدات: من جيمس ويب إلى موجات الجاذبية

تأتي هذه الدراسة في وقت يشهد فيه علم الثقوب السوداء تطورًا متسارعًا، إذ وفّر تلسكوب جيمس ويب الفضائي بيانات غير مسبوقة عن البيئات المحيطة بالثقوب السوداء، خاصة من حيث توزيع الغبار والغاز وحرارة أقراص التراكم.

كما تواصل مراصد موجات الجاذبية، مثل ليغو وفيرغو، رصد اندماجات الثقوب السوداء، ما يفتح آفاقًا جديدة لفهم كيفية نموها وتطورها عبر الزمن الكوني. وتسهم هذه الاكتشافات، مجتمعة مع المحاكاة الجديدة، في بناء صورة أكثر تكاملًا عن واحدة من أعقد ظواهر الكون.

 

آفاق البحث المستقبلي

في المرحلة المقبلة، يخطط الباحثون لاختبار قابلية تطبيق هذه النماذج على أنواع أخرى من الثقوب السوداء، بما في ذلك Sagittarius A*، الثقب الأسود فائق الكتلة في مركز مجرة درب التبانة، ما قد يساعد في تفسير التغيرات الغامضة في إشعاعه.

وقد نُشرت الدراسة في مجلة الفيزياء الفلكية، ونقلها موقع ساينس ألرت.

 

 

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد