الشوارع
هل نعيش فعلا زمن ملحمة هرمجدون ؟ ففي تطور مثير للجدل يعيد صياغة المشهد العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، كشفت تقارير صحفية بريطانية وأمريكية عن تصاعد موجة من “القومية المسيحية المتشددة” داخل صفوف القوات المسلحة الأمريكية. فلم تعد الأهداف السياسية أو الاستراتيجية هي المحرك الوحيد للعمليات العسكرية ضد إيران، بل برز خطاب ديني يصف الصراع بأنه “جزء من خطة إلهية” تمهد لنهاية العالم وعودة المسيح.
نبوءات “سفر الرؤيا” في غرف العمليات
أفاد موقع “ذي غارديان” بأن “المؤسسة العسكرية لحرية الأديان” (MRFF) تلقت أكثر من 200 شكوى من جنود وضباط يخدمون في فروع حساسة مثل سلاح مشاة البحرية (المارينز)، القوات الجوية، وقوة الفضاء. وتتمحور هذه الشكاوى حول قيام قادة عسكريين بممارسة ضغوط أيديولوجية على مرؤوسيهم، وتصوير الحرب الدائرة ضد إيران على أنها معركة “هرمجدون” المذكورة في الكتاب المقدس.
ونقل التقرير عن ضابط صف في وحدة تتأهب للانتشار قوله إن قائده المباشر حثّ الجنود على الإيمان بأن ما يجري هو “إرادة إلهية”، مشيراً إلى أن الرئيس دونالد ترامب قد “مُسِح من قبل المسيح” لإشعال فتيل المواجهة في إيران، تمهيداً لعودة المسيح إلى الأرض وفقاً لتفسيرات أصولية لنصوص “سفر الرؤيا”.
التطرف المسيحي داخل البنتاغون
مايكي واينستين، رئيس مؤسسة (MRFF) والمحارب القديم في سلاح الجو، حذر من أن هذا الخطاب ليس مجرد حماس ديني عابر، بل هو “تطرف مسيحي” ممنهج ينتهك مبدأ الفصل بين الدين والدولة الذي ينص عليه الدستور الأمريكي. وأوضح واينستين أن العسكريين يجدون صعوبة بالغة في الاعتراض، نظراً للتراتبية العسكرية الصارمة التي تجعل من القائد سلطة مطلقة لا يمكن مخالفتها بسهولة.
وتشير الإحصائيات الواردة في الشكاوى إلى تنوع خلفيات المشتكين:
- 11 عسكرياً مسيحياً (يرفضون تسييس عقيدتهم).
- عسكري مسلم وعسكري يهودي.
- عناصر من مختلف الرتب والوحدات القتالية.
بيت هيغسيث والقومية المسيحية
لا يمكن فصل هذه التطورات عن الشخصية التي تتربع على رأس الهرم الدفاعي الأمريكي. يُعرف وزير الدفاع الحالي، بيت هيغسيث، بتبنيه أفكار “القومية المسيحية” الصريحة. وسبق له أن أيد رؤى “إعادة الإعمار المسيحية” و”سيادة المجالات”، وهي نظريات تدعو إلى هيمنة المبادئ المسيحية على كافة مفاصل الدولة، بما في ذلك الجيش والقضاء.
علاوة على ذلك، أثار دعم هيغسيث لشخصيات دينية راديكالية مثل القس دوغ ويلسون—الذي يدعو لتحويل أمريكا إلى “أمة مسيحية” خالصة ويعارض دور النساء القيادي—تساؤلات عميقة حول التوجهات المستقبلية للجيش الأمريكي.
تداعيات “حرب الناقلات” والصدام الجيوسياسي
بينما يتصاعد الخطاب الديني في الغرف المغلقة، يشهد الميدان في الخليج العربي واقعاً مريراً يعيد للأذهان “حرب الناقلات” في الثمانينيات. ومع استهداف ست ناقلات نفط وتوقف الملاحة عبر مضيق هرمز، يبدو أن المنطقة تنجرف نحو صراع طويل الأمد.
ويرى محللون أن دمج “الخطاب النبوئي” في العقيدة العسكرية يقلل من فرص الحلول الدبلوماسية؛ فإذا كان القادة يعتقدون أنهم ينفذون “مشيئة إلهية”، فإن تقديم التنازلات أو التفاوض يصبح أمراً مستحيلاً من وجهة نظرهم العقائدية.
صمت البنتاغون والمستقبل الغامض
حتى اللحظة، يلتزم البنتاغون الصمت تجاه هذه الشكاوى المحددة، مكتفياً بالإشارة إلى التصريحات العلنية لوزير الدفاع حول العمليات العسكرية. ومع اقتراب استحقاقات سياسية وعسكرية كبرى في عام 2026، يبقى السؤال: هل ستظل العسكرية الأمريكية محكومة بمصالح الأمن القومي، أم أنها انجرفت بالفعل نحو “مستنقع” النبوءات الدينية التي لا تعرف الحدود الجغرافية أو السياسية؟
تعليق:
سبق للزعيم الليبي الراحل، معمر القذافي، والذي قتله الناتو، أن تحدث قبل عقود في فيديو مصور عن “هرمجدون” ونبه إلى الخرافة التي صنعت دولة. فهل سيترحم العرب والمسلمون على معمر بعد فوات الأوان.
