عبد اللطيف وهبي*
يكاد الأمناء العامون للبام يتفردون من بين باقي “زعماء” الأحزاب السياسية بالمغرب بميزة الكتابة، أو على الأقل بذل جهد في سبيلها. والملاحظ أنهم يلوذون بالقلم وما يسطرون في أوقات الشدة تحديدا.
إلياس العمري، ومباشرة بعد إعلان نتائج التشريعيات السابقة كاد يتفرغ للكتابة. بنشماش، وفي أوج الصراع التنظيمي للحزب، لم يفوت فرصة الكتابة والتوقيع باسمه.
اليوم، وفي أوج محنة كورونا، هاهو الرئيس الجديد للحزب، عبد اللطيف وهبي ينشر المقال التالي، الذي نعيد نشره بالموقع، نقلا عن بوابة الحزب، تشجيعا لباقي “الزعماء” وغيرهم ممن يملؤون الشاشات بحق أو بخلافه، أن يرونا ما بجعبهم السياسية والفكرية..إن وجدت لهم جعب أصلا.
**** **** **** ****
“كلما جلست وحيدا أفكر في هذا الفيروس اللعين، عادت بي الذاكرة إلى ذالك النقاش الذي عشناه لمدة سنوات داخل لجان البرلمان وفي فضاءات الصحافة، حول من يجب أن يحظى بالأولوية: الصناعة والتجارة أم البنيات الاجتماعية الأساسية؟
والآن، ونحن نواجه هذا الوباء القاتل أكرر نفس السؤال، من له الأسبقية في أولوياتنا؟
تشييد القناطر والمعامل أم بناء المستشفيات؟ الاستثمار في المنتوجات الاجتماعية الأساسية أم الاستثمار في صناعة السيارات؟
هذه الأسئلة وغيرها باتت تتردد على المرء بقوة في هذه الأيام العصيبة
لقد اكتشفنا أن هذا العالم الغارق في صنع الأسلحة والتطاول في سماء البنيان، قد تناسى شيئا مهما، هو صحة الشعوب
هذا الموضوع أصر هذا الوباء اللعين على إعادته إلى الواجهة، بل جعله أولى الأولويات مستقبلا،
فباتت قضية تهديد الأمن الصحي للشعوب غير قابلة للتأجيل، بناء قطاع قوي للصحة بات ضرورة ملحة بعدما كنا لا نفكر حتى في تلك الجزئيات التي يجب أن نشتريها بقوة ونحافظ عليها كالكمامات والقفازات الطبية ووسائل التعقيم والتحليل البسيطة، التي كانت تبدو لنا أشياء تافهة .
واليوم نكتشف أن كل هذه الإجراءات البسيطة هي استراتيجية وأساسية في مجابهة هذا الفيروس اللعين.
وبالرغم من مجموع الميزانيات المتزايدة التي كنا نرصدها سنويا لقطاع الصحة، اكتشفنا في النهاية أننا لا نملك إلا بعض الأسرة لكثير من المرضى.
لذلك هل علينا أن نعيد النظر في برامجنا واختياراتنا وأولوياتنا أم علينا فقط أن نعتبر الموضوع مجرد كبوة صحية سنخرج منها بأقل الخسائر، ونعود بعدها لأخطائنا وتجاهلنا لقضايا مصيرية في مستقبلنا؟
لذلك لابد من التفكير والتساؤل أيضا: هل علينا بناء الطريق أولا أم أننا ينبغي أن نبني المستشفى؟
وحتى لو بنينا المستشفى بدون طريق فما قيمته؟ هل نصنع الكثير من الأطباء والأطر الصحية أم نكون المزيد من الأئمة؟
إنها أسئلة ملحة بعدما أمسينا اليوم أمام طبيب عاجز عن اكتشاف الدواء، وأمام إمام عاجز عن صد الموت عنا،
هل إلى هذه الدرجة يصبح الإنسان غير محمي؟
لا نختلف إطلاقا إذا قلنا إننا دولة غير منتجة وغير مصنعة. وفي المجال الصحي نحن أكثر عجزا، إذا لا ننتج الآليات الطبية البسيطة، ولا سيارات الإسعاف، ولا حتى العديد من الأدوية الأساسية.
لذلك وجدنا أنفسنا اليوم غير محميين نهائيا من الفيروسات ومن المرض.
فكيف سنتعامل مع هذا الموضوع مستقبلا؟ وهل سيغفر لنا من سيأتي من بعدنا إذا لم نهيئ البلد لمواجهة التحديات الصحية القادمة؟
فالعالم يتحرك بسرعة، والفيروسات تطور نفسها في وقت أسرع.
لذلك، علينا أن نفكر جميعا كيف سنناقش الميزانية العامة للسنة المقبلة مستحضرين آثار جائحة كورونا الحاضر وكورونا المستقبل كذلك،علينا التحلي بالمسؤولية الكاملة ونحن نضع ميزانية وزارة الصحة السنة المقبلة .
من الصعب أن نتكهن بالجواب منذ الآن، وطبعا إذا قدر الله لنا الاجتماع مستقبلا في البرلمان، فحينها سنكون تحت هول الصدمة، وتحت ضغط وخزة الضمير اتجاه الذين ماتوا جراء هذا الوباء، وأزمة قلة حيلة اليد مع من تضرر بسببه.
فاليوم لم يعد مسموحا لنا أن ننتظر الكثير من الوقت لنكتشف أن الأشياء لا تنفصل عن بعضها البعض، ونستنتج حقيقة تفرض نفسها علينا بقوة، وهي أن العالم الذي كنا نعتقد أن عولمته تجمعنا وتسهل العيش بين شعوبه مجرد وهم.
إذ بمجرد الأزمة انتهت التكتلات والاتحادات، وأغلقت الحدود بين الدول العظمى، وشرعت كل دولة تبحث عن الدواء بشكل فردي ولمواطنيها فقط،
بل حتى الكمامات الطبية ثم احتكارها وعدم السماح بتصديرها، حيث صارت موضوع قرصنة بين الدول في مياه البحار.
لقد علمنا هذا الوباء شيئا واحدا، وهو أنه لا يمكننا مستقبلا الاعتماد سوى على ذواتنا،
وحتى يتحقق ذلك، علينا أن نفكر بشجاعة من الآن في اختياراتنا وأولوياتنا مستقبلا، ليس من أجل بلادنا وأنفسنا فقط، ولكن من أجل أطفالنا الذين سيأتون بعدنا.”
*أمين عام حزب الأصالة والمعاصرة
www.achawari.com
