أحمد الجلالي
أنا الشاعر المدعو أمرئ الغيس
لا أملك غير إضبارة
ولم أسمع أبدا بجيفارا
ولم أعش زمن البيداء والعيس
لم أهبط من سماء ولست ملاكا
ولم أكُ فيلسوفا يتقن كلاما مُلاكا
من روث أفريقيا خرجت
ممتد فيكم أنا من طنجة شكري
إلى سودان صالح وفيتوري
كنت بقبري مستغنيا عن الوعي و الحس
أزعجتموني بهتافكم: “ثوري ثوري”
فماذا تريدون من امرئ الغيس؟
أنا صنو النسيان وقد مت طويلا
وفضلت الموت على حياة كانت عويلا
كنت في تلك الأيام البعيدة اردد في القصيدة:
“من فرط الأسى والبلوى
وقلة من يكترث للشكوى
صارت أصنامنا ملاذا للعابرين
في الأرض ديدانا وحصوا،
ومن فرط العسر وغياب اليُسر
وتقسيم العمر ما بين القهر والجمر
ونسيان العدّ و “الشفع والوتر”
والغفلة عن “الليل إذا يسري”،
طفح كيل الصبر فانتحر قبل الفجر”
كما نشرت في صحيفة حزبية:
“من كثرة الجهالة وموت النخوة
رضينا بالهم والغم
وقلنا مرحى بقلة الدرهم ومن لا يفهم
ولفرط الضحالة والثمالة والنذالة
صدقنا شعار “النماء والعدالة”
وفضلنا على الكل “أبوصندالة”
بعد أن أعطانا الأمان
ليمثلنا في البرلمان
وخوفا من الجلد والعقاب والقسوة
أمنا في رمضان حزقال ابو فسوة”.
فأغلقت السلطات الجريدة
وشمعوا المطبعة الوحيدة.
ومرة.. قبل ذاك التاريخ
ضبطوني متلبسا في مقهى
أخطط خربشات لم أكملها
قلت فيها:
“حب الرمان تساس فلخريف
لام اليف..لام أليف..لام أليف”
وتحتها بقليل أضفت:
والتين والزيتون..يا ربي صدقت
اين خبزي وزيتوني..يا عالم قد جعت..”
فاقتادوني إلى وجهة شبه معلومة
فاتهموني بالتخطيط لعصيان مدني
ومطالبتي بحق “أرت به باطلا”
لتعميم حرية تعبير وحق في معلومة
ثم حكموا أن ألزم بيتي حتى موتي
وفي زمن اللاشعر واللاكتابة
كتبت وعلقت على كل أمر في سري
مثلا…والأمثلة كم هي كثيرة
مثال فقط..والتجارب مريرة
كنت يومئذ أعاني من اللاانحياز
مواظبا على الراديو والتلفاز
فلما سمعت ولي أمري
يسأل بكال الوضوح والجهر:
اين الثروة؟
ــ ولا أحد أجابه ــ
دُهشت ومت خجلا وحُرقة
واتهمتُني ــ نيابة عن الصم البُكم ــ
اتهمت نفسي بالفساد والسرقة
ولما طال صمت الأحياء الأموات
وتردد في دواخلي: اين الثروة؟
وددت لو أني ولدت أيام قيس
و ووريت الثرى على عهد عروة
فقلت في سري
وربي بي يدري:
أسيادي اللصوص،
ضاعت مني النصوص
أستميحكم صبرا وعذرا
سدنة الفساد المبجلينا،
أنا لا اشتكي لأني مواطن مات
لم يبق بين صبري وجَلدي إلا صبرا
في عقلي: شاتيلا تماما كتل الزعتر
أنا في عداد الحاضرين الغائبين
أنتم الوجود كله،
والتاريخ بعيني أحمر كقانا ودير ياسين
أنا ـ دام عزكم ــ من عتاة الحمقى
أنا زعيم بلا حياء لشلة عابثين
هذه كل جرائمي مدونة بلا حبر
فماذا أقسى مصيبة من الموت؟
وقد مت لكي تحيوا أنتم منعمين
وقد أسديت لكم خدمة ــ غفرانكم ـ
ودعوت الأحياء ليقتلوا أنفسهم
عساهم يكونوا في عرفكم
مواطنين معتبرين أوادم صالحين.
رجاء أخير:
أحكموا إقفال قبري جيدا
هنا تماما قرب المرحوم عبد الصبور
فلا أريد نهائيا..أبدا
أن أسمع لافتة للمجنون مطر
ولا مديح ظل لدرويش الخطر
ولا تدعوا “أشجار ” منيف تنبت
في هذه الأرجاء.. أبعدوها عن جواري
أبعدوا صبيانكم فلا يخربشوا على شاهدي
رسوما لناجي العلي فيزعجني
شوك حنظلة
كنتُ ربما آخر الأحياء كما ظننت
أيام المرجلة
لكن حين مت صحوت وشكرت ربي
لأن الرحمان الرحيم في الحقيقة
أخرجني من تلكم الحياة/المزبلة.
وهذه تسريبات من الآخرة:
أسر لي مرحوم مصدوم
أن الحياة ميتة بين كاف ونون
وذكرني: ” إنك ميت وإنهم ميتون”
واستدرك المرحوم المحروم:
لكن الردى حق..وأحلاه
أن يكون ثمنا لكلمة حق عنيدة
أو بسبب قصيدة مجنونة مجيدة
أو مهرا لقصة حب كافرة عنيدة
