الشوارع ــ متابعة
لطالما ارتبط اسم النسر الأسمر (Gyps fulvus) في الذاكرة الشعبية بقصص الجيف والارتقاء في أعالي الجبال، ولكن بعيداً عن الأساطير، كشف تقرير ميداني حديث مطلع عام 2026، استناداً إلى بيانات منصة “إي بيرد” (eBird) العالمية، أن هذا الطائر ليس مجرد جارح، بل هو صمام أمان بيئي للمملكة المغربية.
النسر الأسمر: البطاقة التعريفية
يُعرف علمياً باسم النسر الأسمر الأوراسي، وهو واحد من أضخم الطيور الجارحة التي تزين سماء المغرب. يتميز بـ:
- جناحين عملاقين: قد يصل طولهما عند البسط إلى أكثر من 2.5 متر.
- الريش: بني باهت (أسمر) مع ريش طيران داكن.
- الرقبة: طويلة ومغطاة بزغب أبيض ناعم، مما يسمح له بتناول طعامه داخل الجيف دون اتساخ ريشه الأساسي.
واقع النسر الأسمر في المغرب (تحديث 2026)
وفقاً للرصد الأخير، تم تسجيل 12 فرداً من النسر الأسمر في مناطق شمال المملكة. هذا الرقم، وإن بدا متواضعاً، إلا أنه يحمل دلالات بيئية خطيرة:
- مؤشر على سلامة السلسلة الغذائية: وجود هذه النسور يعني توفر مساحات برية شاسعة ووفرة في الموارد الطبيعية.
- شرطي البيئة: يقوم النسر الأسمر بدور “عامل النظافة”؛ حيث يقتات حصرياً على الحيوانات النافقة (الجيف)، مما يمنع انتشار الأوبئة والأمراض التي قد تنتقل من الجثث المتحللة إلى الحيوانات الحية أو الإنسان.
لماذا يجب على المغاربة الاهتمام بهذا الطائر؟
الحفاظ على النسر الأسمر ليس ترفاً، بل ضرورة صحية وبيئية. في غياب هذه النسور، تتراكم الجيف في الطبيعة، مما يؤدي إلى تلوث المياه الجوفية وانتشار الكلاب الضالة والخنازير البرية التي قد تحمل أمراضاً فتاكة.
التهديدات التي تواجه “عاشق الجيف”
رغم قوته، يعد النسر الأسمر طائراً هشاً أمام التدخل البشري:
- التسمم غير المباشر: استهلاك جيف لحيوانات تم تسميمها بشكل غير قانوني.
- فقدان الموائل: التوسع العمراني والاضطرابات في مناطق التعشيش الجبلية.
- تصادم الأجنحة: مع خطوط الكهرباء عالية التوتر في مناطق الهجرة.
التنوع الطيري في المغرب: لوحة بيئية متكاملة
إلى جانب النسر الأسمر، كشف تقرير 2026 عن حيوية مذهلة في النظم البيئية المغربية:
- طيور المرتفعات والجبال
- الغراب أحمر المنقار (الكروان الجبلي): سُجل نحو 100 فرد في الجنوب الشرقي (الأطلس الكبير). يعكس وجوده سلامة المنحدرات الصخرية وقلة الاضطراب البشري.
- العقاب الذهبي (عقاب الملك): رصد فرد واحد، وهو بمثابة “شهادة جودة” للبيئة البكر، إذ لا يسكن إلا الأماكن الأكثر نقاءً.
- كنوز الأراضي الرطبة والسواحل
- الغطاس أسود العنق: (50 فرداً في مرجة الفوارات) مؤشر على تحسن جودة المياه.
- البط أحمر الرأس: (63 فرداً في منتزه سيدي بوغابة) دليل على نجاح إدارة الموائل المحمية.
- سلطانة الماء: (14 فرداً) تعود بقوة بفضل حماية نبات القصب والمياه العذبة.
- أبو ملعقة: (15 فرداً في وادي ماسة) يعكس وفرة العوالق المائية.
المغرب: قلب طرق الهجرة العالمية
يؤكد التقرير أن موقع المغرب الجغرافي يجعله “محطة استراحة” لا غنى عنها للطيور المهاجرة بين أوروبا وإفريقيا. طائر الكركي الرمادي، الذي سُجل بـ 6 أفراد في الشمال، هو خير مثال على هذه الرحلات الماراثونية التي تعبر القارات لتجد في المغرب الدفء والأمان.
خاتمة: مسؤوليتنا الجماعية
إن رؤية النسر الأسمر يحلق في سماء الشمال أو العقاب الذهبي في قمم الأطلس هي رسالة من الطبيعة بأن التوازن لا يزال ممكناً. إن حماية هذه الطيور تبدأ من:
- التوقف عن تلويث الأراضي الرطبة.
- منع الصيد الجائر والتسميم العشوائي.
- دعم السياحة البيئية المسؤولة التي تثمن إرثنا الطبيعي.
الطيور لا تكذب، وصحتها هي انعكاس مباشر لصحتنا وبيئتنا.
