الشوارع ــ المحرر
أعلنت هيئة الانتخابات التركية إجراء جولة ثانية من الانتخابات الرئاسية يوم 28 مايو الجاري بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ومنافسه الرئيسي كمال كليجدار أوغلو.
وقال رئيس هيئة الانتخابات التركية أحمد ينار إن أردوغان حصل على 49.51% من الأصوات، في حين حصل كليجدار أوغلو على 44.88%، بحسب النتائج غير النهائية.
ووفقا لرئيس هيئة الانتخابات، فقد بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات داخل البلاد 88.92%، في حين بلغت 52.69% خارج البلاد.
وبعيدا عن لغة الأرقام فإن ما حصل ويحل في تركيا على مدى عقدين يعد نموذجا يستحق التأمل والتدريس في العلوم السياسية.
على الصعيد الاقتصادي:
تحولت تركيا من بلد مفلس اقتصاديا وتحول إلى رهيبنة لدى صندوق النقد الدولي بعملة أضعف من الليرة اللبنانية إلى دولة عليها صفر دولار دينا.
وبعد ان كانت البلاد مشلولة اقتصاديا أصبحت على عهد اردوغان نموذجا يوصى به لبلدان التخلف لاقتفاء اثره للخروج من دائرة البلدان الفاشلة وتحقيق الخلاص التنموي.
تحولت تركيا من دولة تستجدي القوى الكبرى من اجل اقتناء ابسط سلاح الى بلد مصدر للسلاح وعلى راسه الطائرات المسيرة التي قلبت المعادلات في النزاعات الدولية ونافست على بيع الاسلحة وكرست نفسها في دائرة الاكتفاء الذاتي للسلاح وهو أس صرح السيادة الوطنية.
على الصعيد الجيوستراتيجي:
تحولت تركيا من بلد في وضع حساس يقاتل من اجل اللعب على التوازنات ليبقى على قيد الحياة ككيان قدرت عليه الجغرافيا أن يكون بين مخالب الأسود وأنياب الدببة إلى فاعل دولي له شروطه لضبط تلك التوازنات.
وبعد ان كانت انقرة مفعولا به عبر تشغيل تناقضاته الداخلية ضده لابتزازه صارت تركيا اردوغان هي من تتدخل عسكريا بقرارات سيادية بعيدا عن حدودها لاقتسام كعكات الأرض والغاز.
على الصعيد السياسي:
بالرغم من ازمة التضخم الكبيرة التي تمر بها تركيا شهورا قليلة بعد زلزال مدمر قدرت خسائره بحوالي مائتي مليار دولار فان لم يثن المواطنين عن مشاركة قياسية عالميا في انتخاب أي رئيس دولة، بما فيها الأقوى ديمقراطيا.
وقد كان لافتا ان اردوغان، بعد ولايتين رئاسيتين، وضدا في كل استطلاعات الراي داخليا وخارجيا، اكتسح حزبه وتحالفه البرلمان، ومر هو الى الجولة الثانية متقدما على منافسه بفارق كبير.
ومن بين مكتسبات تركيا في العشرين سنة الأخيرة أن العملية الديمقراطية لم تتصاعد قوتها ونظافتها بشكل قوي فحسب بل إن معها تمت إعادة الجيش ــ صانع الانقلابات ــ إلى مكانه الطبيعي الذي هو الثكنات مع القيام بدور الضامن لحماية ديمقراطية بلده.
وليس خافيا أن السياسة في تركيا لم تعد تهم الأتراك لوحدهم كأي بلد صغير بل صارت مهمة و “حساسة” عالميا وإقليميا لان نتائجها مؤثرة على قرارات وتحالفات القوى الكبرى في عالم يتأهب للحروب أكثر مما هو متحمس للسلام.
“مغربة” النموذج التركي:
يتابع شق من المغاربة سواء كمسيسين او مراقبين بدهشة وغير قليل من الحسرة هذه الملحمة السياسية في تركيا بدءا بما تحقق للمواطن التركي على مستويات العيش والقوة الشرائية والخدمات مرورا بالفرص الاقتصادية المتاحة وانتهاء بالمستوى العالي للمشاركة الشعبية الطوعية على صناديق الاقتراع في الداخل التركي وخارجه.
وبالمغرب معجبون باردوغان ليس بالضرورة لانهم إسلاميون ولا لكونهم تلقوا وعودا بالجنسية التركية ولكن لانهم حتما يقارنون بين “العدالة والتنمية” في نسخته البنكيرانية/السعدينية و نموذجه التركي فيرون الفرق الصارخ.
وفي بلادنا أناس يتمنون لاردوغان ان ينجح مرة أخرى ليس لانهم عبيد للسطان التركي ولا من حريم اجداده العثمانيين ولكن لان هذا الاردوغان يشبع رغبة دفينة في الصدور وفي العقل اللاواعي لديهم من اجل العثور على سياسيين مغاربة يحققون ولو “شوية” مما يعدون به المواطنين أيام “تكوك الحزبي” ببهارات “قاصم الظهر الانتخابي”.
