الشوارع/رئيس التحرير
قدر عالم القرن الحادي والعشرين هو الثورة التكنولوجية والاتصال وحكم الحمقى والمجانين: من تل أبيب إلى كوريا الشمالية وواشنطن. فترامب الذي شكك خصومه السياسيون من بني جلدته في قواه العقلية ما لبث يوما بعد يوم يؤكد بسلوكه الأرعن أن متهميه لم يكونوا مخطئين تماما في الحكم عليه.
ولأن الرئيس الأمريكي يعي جيدا وبحس “ديلر الكازينو” أنه لامحالة ذاهب إلى السجن إن لم يفز بولاية رئاسية ثانية، فهو لم ولن يتردد في ارتكاب كل الحماقات التي لا تخطر على بال حتى وإن جر الكرة الأرضية جميعها إلى حرب نووية مدمرة.
فبعد فيلم البغدادي وكسب بضع نقاط انتخابية لصالحة استشعر ترامب “البزنبيس مان” أن ذلك الرصيد غير كاف ففكر وتدبر وقرر إعطاء أوامره فجر اليوم الجمعة لقتل واحد من أقوى أركان النظام الإيراني وهو الجنرال قاسم سليماني ومرافقيه فور خروجهم من مطار بغداد، دون الرجوع لا للكونغرس ولا لغيره من مؤسسات الدولة الأمريكية.
وتكشف هذه العملية الخطيرة أمورا يمكن إيجازها كما يلي:
ــ ثقب كبير في جهاز الاستخبارات الإيرانية التي تركت تحرك سليماني عاريا من أي تمويه أو تغطية
ــ ارتباك المؤسسات الدستورية الأمريكية التي لم تعد تتحكم في سلوك رئيس الدولة المقامر بكل شيء بما فيه توازن الدولة العميقة نفسها
ــ بقاء الخليج على الدوام مسرحا للصراعات الدولية بقيادة أمريكا ومعه العرب رهينة للدفع السخي وهم صاغرون، قبل وبعد كل مغامرة لحضارة “الكاو بوي”
كل المراقبين واللاعبين الكبار في العالم، بمن فيه الروس، أجمعوا على أن ما حصل لا يمكن التنبؤ بعواقبه ولا احتواء تبعاته.
أما بنو عرب فقصارى ما صدر عنهم هو الدعوة إلى التهدئة وعدم الانجرار إلى الحرب، تماما كما يصنعون كلما ارتكب نظام الصهاية مجزرة في فلسطين أو لبنان: يدعون الضحية إلى ضبط النفس.
أما مغربنا الذي يوجد بعيدا عن الشرق العربي لحسن حظنا مع الأقدار، فهو ليس بعيدا كل البعد إلى درجة اللامبالاة المطلقة. ففي هذه القرية العالمية الكل مرتبط مع الكل.
صحيح أن علاقات الرباط وطهران منذ مجيء الخميني للحكم لم تكن يوما مستقرة ولا كانت بالمثالية، بل ظلت بين الشد والجذب والانفراج و التوتر، لكن هذا ليس مبررا لاعتبار إيران عدوة للمغرب، وإن اعتبرنا بلدان الخليج “أصدقاء” لنا فالوقائع تؤكد مرارا أن ما يمكن للمغرب أن يعول عليه لا يوحد في الرياض ولا الدوحة ولا المنامة..بل في المغرب نفسه ضمن إمكاناتنا وتراص صفنا الداخلي.
وإن كان هناك من يرى أن إيران “عدوة” للمغرب، فهي “عدو”بعيد، يمكن تفاديه أو تحييده، وليس من الحكمة صناعة أعداء جدد، فلدينا ما يكفي منهم دوليا وإقليميا.وسجل حرب الصحراء المغربية يحتفظ بأسماء من دعموا العدو ضد وحدتنا الترابية، وطهران لم تكن غائبة عن القائمة.
ويا ليث العرب كانوا “أعداد إيران” حقا وأصدقاء للمغرب فعلا، لأغمضنا حينئذ العين وقلنا إن عدو صديقي عدوي. يكفي لفضح هذه المعادلة الكاذبة أن تعرف أن سبعين بالمائة من رجال الأعمال بالإمارات هم إيرانيون.
ماذا على بلادنا أن تصنعه في هذه النازلة وفي ما سيأتي مثلها في مستقبل يبدو أسود قاتما على صعيد العلاقات الدولية:
ــ نهج سياسة “صفر عداوة” والأمر ليس مستحيلا..وفي سياسة سلطنة عمان دروس لمن يريد أن يتعلم،
ــ يقولون إن تازة قبل غزة، وهي مقولة ليست مهزوزة، وبناء عليه دعنا نطلق ــ ولأول مرة ــ هذا الشعار المماثل: بولمان أقرب من واشنطن وطهران.
هل وصلت الرسالة؟
www.achawari.com
