سعيد لحليوي
اهتم الدارسون والباحثون بمجالات وظواهر شتى داخل المجتمعات الانسانية، ومن بينها الحالة الصحية للسكان، وقد تعمق اهتمامهم بالموضوع بعد ظهور بعض الأمراض مثل داء الجدري والطاعون والكوليرا..إلخ.
وقد استدعى اشتغال مجموعة من الباحثين على بعض الأمراض، كمعطى بيولوجي عضوي، دراسات حاولت تقديم مقاربات اجتماعية عن هذا المعطى الجديد، بعدما كان هذا المجال حكرا على الطبيب الموكل إليه التشخيص والعلاج بالأساس.
ومع تزايد حالات الامراض بفعل تعدد الاوبئة خلال الحربين العالمية الأولى والثانية من القرن الماضي، انبرت مجموعة من الباحثين في علم الاجتماع للإشتغال على هذه الموضوعات ، فنشأ علم اجتماع الصحة كواحد من الحقول المعرفية التي أهتمت بالجانب الصحي في الإنسان، واقتحمت بالتالي حقلا كان حكرا على الأطباء.
وكنتيجة لهذه الأبحاث والدراسات الميدانية التي تناولها بعض الدارسين، تشكلت مقاربات موضوعية تحدد طبيعة الأمراض في علاقتها بالأفراد داخل المجتمعات كتحديد عينات لحصر البؤر المرضية سواء كانت هذه الأمراض عضوية أو نفسية.
وبهذا تجاوزت الأبحاث السوسيولوجية المقاربة الطبية في علاقتها بالمرض إلى اعتبار الصحة والمرض ظاهرة اجتماعية أيضا.
ونتيجة تراكم الأبحاث السوسيولوجية خلال الفترة المشار إليها أعلاه حيث صارت الامراض ظاهرة اجتماعية ببعد علمي، فقد أمكن أيضا اكتشاف ارتباطها بمجموعة من الثقافات السائدة من حيث تمثلات ورواسب محلية محددة في بعدها الصحي للأفراد.
ونظرا لتوفر الجماعات البشرية على ثقافات حول الأمراض، فقد كان من الضروري ظهور دراسات أنثروبولوجية تهتم بتناول الأنساق والعلاقات الاجتماعية وفهم الذهنيات، في ارتباطها بالبعد الثقافي للمجتمع ، والتي يحددها بعد جديد وهو ثقافة الفقر الصحي للإنسان.
وفي المغرب، لم تكن ثقافة مجتمع بداية النصف الأول من القرن الماضي مثلا ــ في مجملها ــ تتفاعل مع البعد العقلي العلمي للمرض، بل كانت تحددها ثقافة مجالية كالعلاجات النباتية لمرض السعال تلخصت في وصفات بسيطة: ” اشرب فليو ، استعمل سكين جبير ، الزعتر، التوم …
أما الأمراض النفسية فكانت وماتزال في كثير من المناطق تستدعي استحضار البعد الروحي مثل الفقيه : سبب له ، البخور الحرز… أو البعد الأسطوري كزيارة الأضرحة والتبرك بالأولياء…إلخ.
من هنا تصبح ثقافة الفقر كمحدد أساسي للفهم الإجتماعي للمرض كنتيجة لنوع القيم السائدة داخل المجمعات سواء كانت دينية أو شعبية.
ثقافة الفقر عند الإنسان تجعله يفكر في البديل البسيط ، كمحدد مادي له تأثيرات كبيرة على المكون الفكري في توجهاته الشخصية: “أقضي باش ما كان حتى يفرج الله “.. إنها ثقافة مبنية على الإنتظارية والاستكانة.
وارتباطا بالقضية التي يعيشها المجتمع اليوم بالجانب الصحي وما تقتضيه المرحلة الوبائية ، فيجب الوقوف عند بعض الممارسات التي يعيشها الفرد حاليا بعد ما سادت اللامبالاة واعتبار هذه الكورونا عابرة، ما جعل المجال الاجتماعي يؤسس انتظاريته بثقافة الفرجة والمرح والسخرية داخل النسق، عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ولعل هذا الاسترخاء والاستهتار ما دفعا الدولة للجوء الى مفهوم الضبط الاجتماعي للحد من خطورة هذا الوباء، عبر فرض حلول بديلة كالحجر الصحي.
www.achawari.com
