اعتقال”تيك توكرز” مغاربة: المتاهة بين “قلة الحياء” و “التفاهة”

أحمد الجَــــــلالي

شهد المغرب خلال الأيام الأخيرة موجات من الجدل الواسع حول اعتقال أو متابعة عدد من صناع المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي، خاصة من الناشطين على“تيك توك”، بتهم تتعلق ب “ترويج التفاهة” أو “الإساءة للقيم العامة”.
هذا المصطلح، المسمى “تفاهة”، أصبح يتردد كثيراً في الفضاء العمومي المغربي والعربي، لكنه يحمل في طياته إشكالات فلسفية، ثقافية وحقوقية عميقة تتجاوز ما يبدو على السطح من كلام دارج مبسط يجري على الألسن.

وقد كانت هذه الحملة، أو “الحركة” بتسكين الراء، ستبدو أمرا عاديا في المغرب لو حصلت قبل سنوات أو شهور على الأقل، لكن أن ينام الناس “خير وسلام” تم يصبحون على أخبارها فهذا أمر يدعو للتأمل ليقظ في السياق.
والسياق، سياق الحركة، طبعا بتسكين الراء، يتزامن مع احتقان اجتماعي بسبب فشل الحكومة في سياساتها الاجتماعية، والبطالة، ورداءة الخدمات، فضلا عن الهزة التي أحدثها تسريب فيديو “لجنة الأخلاقيات” التابعة للجنة المؤقتة لشؤون الصحافة والنشر، منتهية الصلاحية، والمجلس الوطني للصحافة الذي أصبح سلعة غير قابلة للاستهلاك بعد انتهاء مدة انتداب قيادتة قبل عامين.

دعونا ندندن في هذا المقال حول لمفهوم التفاهة: جذوره، من كتب عنه أول مرة، إشكالاته السوسيولوجية، وحدود استعماله في المحاكم أو في النقاش العام، إضافة إلى قراءة نقدية لعلاقة هذا المفهوم بحقوق الإنسان وحرية التعبير، لينتهي بمحاولة تقديم اقتراحات عملية لمعالجة الظاهرة دون المساس بالحقوق الأساسية للمواطنين.

 

ما هو مفهوم “التفاهة”؟
التفاهة لغةً تدل على “الحقارة والضآلة وغياب القيمة”. أما اصطلاحاا، فهي مفهوم متعدد الأبعاد يشير إلى أمور كثيرة من بينها::
المحتوى السطحي الذي يغيب عنه العمق أو الفائدة*
السلوك أو الخطاب الذي يعتبره المجتمع غير جدّي أو غير لائق*
الأنشطة التي تهدف فقط إلى الإثارة أو جذب الانتباه دون مضمون يستحق النشر او الاستهلاك.

غير أن التفاهة ليست مفهوماً موضوعياً تماماً، بل هي “بناء اجتماعية (Social Construct)، أي أنّ المجتمع هو من يحدد ما يعتبره “تافهاً” و”مهماً”، بناءً على ذوقه العام، قيمه الأخلاقية، وسياقه التاريخي والثقافي.

كتبوا عن التفاهة 

رغم أن مفهوم التفاهة كان موجوداً منذ الفلسفات القديمة، إلا أنّ المفكر الكندي “ألان دونو” كتب عنه بخصوص الإعلام، وكذلك تحدّث عنه عدد من المفكرين العرب. لكن الإسهام الأكثر شهرة وانتشاراً عالمياً جاء من “دونو”.

ففي كتابه الشهير: **”نظام التفاهة (La Médiocratie)  الذي صدر عام 2015، قال دونو إن العالم يعيش مرحلة “حكم التافهين”، لا لأن الناس تافهون، بل لأن “الأنظمة الاقتصادية والسياسية والإعلامية تُنتج التفاهة بشكل ممنهج”.

وكان من أهم الأفكار التي وردت في تحليل هذا الفيلسوف: تراجع قيمة الكفاءة والخبرة لصالح الشهرة السريعة،سيطرة المحتوى الخفيف على حساب الثقافة والمعرفة،تحوّل المنصات الرقمية إلى سوق للمشاهدات لا للأفكار،وبناء عليه،تكون التفاهة وفق دونو ليست مشكلة أفراد فقط، بل بنية اجتماعية كاملة

التفاهة بين الذوق واختلاف الثقافات:

ما يعتبره البعض تافهاً قد يعتبره آخرون ممتعاً أو مسليا، زد إلى ذلك وعليه، أن  الذوق يتأثر بالعمر، البيئة، المستوى التعليمي، والخلفية الثقافية، وهذه حقائق يقف عليها ويقتنع بوجودها من أتيحت له فرصة الهجرة أو السفر إلى بلدان أخرى والاحتكاك بأهلها وثقافاتهم المختلفة عن ثقافة بلاده ووطنه وشعبه.
على سبيل المثال، محتويات الرقص أو الكوميديا القصيرة قد تُصنّف “تفاهة” لدى بعض المثقفين، لكنها تُعتبر “ترفيهاً مشروعاً” لدى فئات واسعة من الشباب.

وفي الثقافات الغربية يُجرّم القانون المحتوى التافه ما دام لا يتضمن عنفاً أو خطاب كراهية. بكلمة، نوع المحتوى هو الذي يقرر نجاحه أم فشلة، وليس مؤسسات الدولة، وفي بعض البلدان قد يرتبط مفهوم التفاهة بالقيم الدينية أو الأخلاقية، فيما يستخدم في مجتمعات أخرى لفرض القيود على حرية التعبير في إطار صراع سياسي أو طبقي.

من يحكم على التفاهة؟

وهو سؤال إشكالي يسائل في العمق مفهوم الحرية والديموقراطية: من لديه الحق ليحكم على التفاهة، الدولة أم القضاء أم المجتمع المحافظ أم الجمهور كحكم مستهلك؟
هذه الأسئلة تجعل من التفاهة تهمة غير محددة قانونيا، وبالتالي تبقى قابلة للتأويل والتوظيف، حسب موازين القوى والصراع.
بعبارة أخرى: عندما تتحول التفاهة إلى تهمة قانونية: أين تبدأ حرية التعبير وأين تنتهي؟
في كثير من المرات، واجه عدد من صناع المحتوى في المغرب تهما ارتبطت بـ “الإساءة للقيم”، “خدش الحياء”، أو “ترويج التفاهة”، غير أن استعمال هذا المصطلح في الإطار القانوني يطرح عدة إشكالات من بينها:

غياب تعريف قانوني محدد، ذلك أن  القانون المغربي لا ينص صراحة على “التفاهة” كجريمة، ولكنه يستعمل تعابير قابلة للتأويل المرن مثل المس بالأخلاق العامة، نشر محتوى غير لائق أو المس بالقيم الأسرية. ومشكلة هذه المفاهيم أنها تبقى غير مضبوطة بدقة، ما يجعلها قابلة لاجتهاد القضاة أو لضغوط الرأي العام.

وهناك وجهة نظر حقوقية تقول إن جودة أو فائدة المحتوى لا يجب أن يكون دور الدولة، بل الجمهور من يمكنه أن يقرر من يشاهده ومن يتجاهلة، من يرفعه إلى قمة الشهر أو من يهوي به إلى قاع النسيان واللامبالاة، وإن   إغلاق أو تقييد الحسابات يجب أن يأتي من المنصات نفسها بناء على قواعد واضحة.

  التفاهة جريمة أم ظاهرة اجتماعية
حتى لو كنا نرفض المحتوى الفارغ أو المسيء للذوق العام، فإن تحويله إلى قضية جنائية قد يؤدي إلى نتائج لا سبيل لتلافيها وهي: التضييق على الإبداع، خلق مناخ غير صحي من الخوف لدى صناع المحتوى بشكل عام وارتفاع منسوب الرقابة الذاتية عندهم، تراجع حرية التعبير وزيادة مستوى الخوف من مؤسسات الدولة ذات الصلة بدل تكريس الثقة.

التفاهة كوصم اجتماعي

عندما نصف شخصاً بكونه “تافها”، فنحن لا نصف محتواه فحسب، بل نمارس عليه وصما اجتماعيا يضرب بكرامته عرض الحائط، ويقلل من قيمته الإنسانية، وبالتالي يقصيه رمزيا من المجتمع.
ونظرا لهذه الآثار المدمرة يصبح من حق الجمهور أن يطرح على الدولة، والحالة هذه، أسئلة لا مفر منها حول:
ـ الحق في التعبير
ـ الحق في المشاركة في الحياة الثقافية
ـ الحق في احترام الكرامة الإنسانية
ـ الحق في الاختلاف

التفاهة والانتقائية 

يمكن أن تتحول “التفاهة” عند استعمالها بشكل اعتباطي إلى وسيلة سلبية وخطيرة تؤدي إلى تقسيم داخل النسيج المجتمعي عبر:
ــ التحول إلى أداة لشيطنة فئات معينة من المجتمع
ــ الاستخدام كسلاح لإسكات الأصوات غير المرغوب فيها
ــ أوسيلة فتاكة لتحييد المنافسين أو المختلفين ثقافياً

فمثلا قد يسمون شابا بسيطا “تافهاً” إذا نشر مقاطع ساخرة، بينما يغضون الطرف عن محتوى مشابه لدى شخص آخر لاعتبارات سياسية أو اجتماعية.

الشهرة والقيمة:

في كثير من الأحيان يخلط الناس عن جهل بين شهرة الأشخاص على “تيك توك” مثلا، وبين قيمهم الثقافية والأخلاقية.
لكن حقوق الإنسان في كونيتهالا ترتبط بالشهرة ولا بالمستوى الثقافي، لأن  لكل فرد الحق في التعبير ضمن الحدود القانونية الواضحة والمتفق عليها.
ثم إن هناك سؤالا مركزيا لا أحد تقريبا يريد أن يطرحه للنقاش والتمحيص: وهو هل التفاهة سبب أن نتيجة لعوامل أخرى؟
في ظني أن التفاهة ليست فقط “اختياراً فردياً”، بلهي نتيجة ميكانيكية لعوامل مجتمعية منها: ضعف التعليم محدودية فرص العمل، غياب بدائل ترفيهية، تراجع الإنتاج الثقافي الجاد، هيمنة المحتوى السريع في المنصات الرقمية.
وبهذا المنطق تكون التفاهة ناتجا تراكميا وليست دائما جريمة بمفهومها القانوني التقليدي

حل الإشكالات دون ضرب الحقوق 
يعرف من يتابع آرائي منذ 25 سنة ونيف أني أميل إلى الجودة وأحارب الرداءة ما استطعت ومن فرط حرصي على جودة العمل المهني تنقلت بين 10 مؤسسات في المغرب وخارجه وقدمت 5 استقالات غير آسف على الأبواب التي صفقت خلفي ولا الأجور السمينة التي وجدت في كعب حذائي ما يتجاوز قيمتها المادية.
لكن الانحياز للجودة لا يعيش بعيدا عن الانتصار للحرية المسؤولة بهوامش أكثر اتساعا، وعليه فإني أرى في هذا الباب هذه الأفكار المختصرة:
بدلا من المسار العقابي، يمكن للمغرب – مثل كثير من دول العالم– اعتماد مقاربة شاملة تراعي : تعزيز التربية الإعلامية، إدخال برامج خاصة في التعليم، حماية الأطفال من المحتوى الضار، التمييز بين الترفيه والضرر،دعم المحتوى الجاد والمفيد.

فالدولة المغربية، بما تحت يدها من مقدرات هائلة، وإمكانات قانونية وإدارية ومؤسساتية، لن يعجزها ــ إن توفرت الإرادة السياسية ـ أن تحقق كل ما سلف وأكثر من خلال تمويل مبادرات ثقافية هادفة ودعم صناع المحتوى الإبداعي والعمل على تأطيرهم، ثم ململة القطب الإعلامي الرسمي المتجمد لكي يتحرك لإنتاج برامج تعليمية ووثائقية وترفيهية محترمة، مع إشراك علماء التربية والاجتماع وثلة كبيرة من المثقفين في هذا المشروع الوطني الذي يهم الحاضر والمستقبل.
وبدلا من اعتقال الأفراد يمكن للدولة أن تفرض قواعد واضحة على المنصات عوض الضغط على بعض مواطنيها، فمثلا يحق للمغرب أن يلزم تيك توك ويوتيوب، بسياسات واضحة حول المحتويات المسيئة.
لو كنت مشرعا مغربيا لمغربت بعض التعابير التي لا سبيل لترجمتها في بيئتنا المحلية بالاعتماد على المفاهيم المستوردة، وكمثال على هذا لو كنت قاضيا فضلت أن احكم في مثل هذه النوازل انطلاقا من مفهوم “قلة لحيا” (قلة الحياء) بدل الارتكان إلى مفهوم مطاط اسمه “تفاهة”.
ولو كنت من أصحاب الحل والعقد لما عقدت الأمر ولاقترحت على من يهمه الأمر أن يوسع مفهوم التفاهة قليلا ليشمل هؤلاء مع تجريم أفعالهم واقتيادهم إلى المحاكم ثم السجون:
ــ من يفسد الإعلام العمومي بسياسات “هشك بشك” ويبدر في سبيلها المال العام بالمليارات فهو تافه يستحق العقاب،
ــ من يحول السياسة مركزيا ومحليا وجهويا من خدمة عمومية إلى بقرة حلوب يرضع منها هو ونسله غير الكريم تافه ابن تافه وجده زعيم التافهين وجبت إدانته وسجنه،
ــ من يكذب على المغاربة بوعوده الانتخابية ولا في بشيء تافه كبير يجب محاسبته بالشدة والفاصلة لأنه تفه الحياة السياسية وجعل الشعب لا يثق في وطنه،
ــ كل فاسد سارق مارق كذوب متلاعب مزور متلاعب ظلوم مستغل للنفوذ مستخدم للشطط السلطوي…فهو تافه ابن تافهة سنكون مغربا تافها شعبا ودولة إن لم نلجمه بسياط القانون..نقطة على السطر.

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد