نهايات بشعة لأدوات الاحتلال: من أبو شباب غزة إلى خذلان سايغون وكابول

 ضربة لمخطط الاحتلال:   

في خضم الحرب على قطاع غزة، كانت الأنباء الواردة من رفح حول اغتيال ياسر أبو شباب، قائد مليشيا محلية مثيرة للجدل، بمثابة مؤشر استراتيجي خطير. لم يكن أبو شباب مجرد شخصية جنائية سابقة؛ بل كان يمثل نموذجاً إسرائيلياً مصغراً لمخططات الحكم المدني في القطاع بمعزل عن حركة المقاومة (حماس).

التداعيات الأمنية والسياسية

كانت إسرائيل تراهن على أبو شباب لاستغلال خلفيته القبلية (من الترابين) وتاريخه الإجرامي لتشكيل ما أسمته “القوات الشعبية”، مهمتها فرض فوضى منظمة وإدارة توزيع المساعدات تحت الغطاء الإسرائيلي، بهدف تفكيك البنية الاجتماعية للمقاومة. لكن مقتله، سواء كان بفعل تصفية دقيقة من المقاومة (كما رجحت تقارير استخباراتية إسرائيلية عن امتلاك حماس معلومات من مصادر مقربة منه)، أو نتيجة عراك داخلي على خلفية عمالته، يحمل تداعيات عميقة:

  1. تقويض الاستراتيجية الإسرائيلية: يثبت الاغتيال أن محاولات “صناعة” قادة محليين من الفراغ محكوم عليها بالفشل. فالنظام البديل الذي تعول عليه إسرائيل يفتقر لأدنى مستويات الشرعية الشعبية والقدرة على البقاء في مواجهة المقاومة المنظمة.
  2. انهيار الثقة الاستخباراتية: الرسالة التي وصلت إلى أي فلسطيني قد يفكر في التعاون هي أن الغطاء والحماية الإسرائيلية لا تساوي شيئاً في مواجهة الإرادة الشعبية والمقاومة المنظمة. وهذا يدمر أي شبكات تجنيد جديدة.
  3. قدرة حماس على الاختراق: إذا كانت حماس وراء العملية، فهذا يدل على فعالية وكفاءة جهازها الاستخباراتي المضاد وقدرته على اختراق دائرة المتعاونين الأكثر حماية، مما يفرض تحديات جديدة على الوجود العسكري الإسرائيلي في القطاع.

هذه النهاية المأساوية ليست مجرد حادثة فردية، بل هي تأكيد لقاعدة تاريخية ثابتة: نهاية العميل تأتي دوماً على يد شعبه أو بالتخلي من مشغله.

 

 استعراض مقارن لنهايات الخونة

يكشف التاريخ الحديث أن القوى المحتلة أو المنسحبة تتعامل مع المتعاونين المحليين كـ أدوات يمكن التضحية بها بمجرد تغير الظروف الاستراتيجية. النهايات المأساوية للعملاء تكررت في نقاط ساخنة مختلفة:

  فيتنام: خذلان “الريح المتكرر” (1975)

في أبريل 1975، ومع اقتراب سقوط سايغون، أطلقت الولايات المتحدة عملية الإجلاء Operation Frequent Wind.

  • وهم الوعود: عمل آلاف الفيتناميين الجنوبيين كمترجمين ومحللين وضباط لصالح واشنطن، واعتمدوا على وعود الحماية الأمريكية.
  • الإذلال والترك: في الساعات الأخيرة، شهد العالم صوراً مروعة لليأس: مئات من المتعاونين وأسرهم يتسلقون أسوار السفارة الأمريكية، ليتم صدهم بالقوة وتُركوا لمواجهة القوات الشمالية.
  • المصير: آلاف منهم سُجنوا في “معسكرات إعادة التأهيل” (Re-education Camps) حيث تعرضوا لتعذيب جسدي ونفسي وإذلال لسنوات طويلة، فيما اعتبرته فيتنام الشمالية “تطهيراً” للمجتمع من الخيانة.
عملاء واشنطن في سايغون

  لبنان: عزل جيش لبنان الجنوبي (   (2000

كان “جيش لبنان الجنوبي” (SLA) قوة محلية وكيلة لإسرائيل في الشريط الحدودي المحتل منذ عام 1985.

  • الانسحاب أحادي الجانب: في مايو/أيار 2000، قررت إسرائيل الانسحاب فجأة تحت ضغط ضربات المقاومة اللبنانية. كان الانسحاب سريعاً وبدون تنسيق حقيقي مع قيادة الـ SLA.
  • الفرار المذل: انهار الجيش في ساعات قليلة. فرّ حوالي 6500 فرد من الجنود وعائلاتهم إلى داخل إسرائيل، حيث تحولوا فجأة إلى لاجئين منبوذين وعاشوا في ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة للغاية، وعانوا من الاكتئاب والانتحار، بينما واجه من بقي منهم المحاكمة والسجن بتهمة العمالة.

  أفغانستان: التخلي عن أصحاب تأشيرات   (2021

في شهر غشت  2021، شكّل الانسحاب الأمريكي الفوضوي من كابول أحدث مثال على مبدأ التخلي.

  • الوعود الفارغة: اعتمد آلاف الأفغان الذين عملوا كمترجمين ومساعدين مع القوات الأمريكية على برنامج تأشيرة الهجرة الخاصة (SIV) الذي كان بطيئاً ومعقداً بشكل فادح.
  • فوضى المطار: مشاهد التشبث بطائرات الشحن الأمريكية المغادرة في مطار كابول كانت رمزاً لـ خذلان حليف. تم إجلاء عدد قليل من المتعاونين، بينما بقي عشرات الآلاف في مواجهة خطر الانتقام من طالبان والملاحقة والقتل خارج نطاق القانون.

  الجزائر: مذبحة “الحركيين” (1962)

يظل مصير الحركيين (الجزائريون الذين قاتلوا مع الجيش الفرنسي) أحد أبشع فصول الخيانة في التاريخ الفرنسي.

  • قرار الخيانة الرسمي: بعد اتفاقيات إيفيان (1962)، أصدرت القيادة الفرنسية أوامر تمنع إجلاء الحركيين خوفاً من “الفوضى” داخل فرنسا.
  • الانتقام الجماعي: تُرك عشرات الآلاف من الحركيين وأسرهم في الجزائر لمواجهة القصاص الشعبي والانتقام من جبهة التحرير الوطني، حيث تشير التقديرات إلى أن الآلاف قُتلوا في مذابح انتقامية مروعة.
  • نبذ في المهجر: حتى الذين تم إجلاؤهم لاحقاً إلى فرنسا، لم يُعترف بهم كجنود أو ضحايا، وعاشوا في مخيمات بائسة مهمشة لسنوات طويلة، في تأكيد لـ استخدام فرنسا لهم ثم نبذهم عندما انتهت حاجتها إليهم.

 

 ثمن الخيانة  

يؤكد مقتل ياسر أبو شباب في رفح أن ثمن التعاون مع قوة أي احتلال ليس محصوراً في الخطر المباشر، بل يمتد إلى النبذ الاجتماعي والخيانة النهائية من المشغل.

تظهر هذه الحالات التاريخية الأربع قاعدة لا تتغير في الجغرافيا السياسية: القوة العظمى ترى في المتعاون المحلي أداة تخدم مصلحتها الاستراتيجية الآنية، ولا تلتزم بضمان مصيره في المستقبل.

هذه الحقيقة هي التي تمنح ديمومة وقوة لحركات المقاومة الشعبية. فالمقاومة لا تقاتل جيشاً فحسب، بل هي أيضاً صراع وجودي على الشرعية والثقة داخل المجتمع. اغتيال عميل رفح لا يمثل مجرد خسارة إسرائيلية تكتيكية، بل هو تأكيد لردع استراتيجي يرسخ الاعتقاد بأن مصير الخونة هو السقوط المزدوج: السقوط بيد الشعب، والتخلي النهائي من حليفهم العابر.

 

 

 

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد