الكويت: موجة سحب الجنسية.. تحولات عميقة تهدد “واحة الديمقراطية”

قرارٌ يهزّ الرأي العام: سحب الجنسية من طارق السويدان

 بلغت موجة سحب الجنسية الكويتية، ذروتها بقرار سحب جنسية الداعية طارق السويدان، تكشف عن تحولات جذرية في القانون والهوية الوطنية لهذا البلد الشرق أوسطي. نقدم ههنا تحليلا عميقا للأبعاد القانونية، الأثر الاقتصادي والاجتماعي، ودلالات هذه القرارات على مستقبل الديمقراطية وحرية التعبير في الكويت. 

  قرارٌ يهزّ الرأي العام: سحب الجنسية من طارق السويدان

في خضم عمليات متواصلة لسحب الجنسية الكويتية بدأت موجتها منذ العام الماضي، تصدّر خبر صدور مرسوم أميري كويتي يقضي بسحب الجنسية من الداعية الإسلامي طارق السويدان (70 عاماً) صدارة العناوين الإخبارية يوم الأحد (7 ديسمبر 2025). هذا القرار، الذي شمل السويدان وكل من اكتسب الجنسية بطريق التبعية له، لم يكن مجرد قرار إداري عابر، بل مثّل نقطة تحول جديدة في موجة القرارات المتعلقة بالجنسية التي تشهدها الكويت.

يُعدّ السويدان شخصية إعلامية ودعوية بارزة، وله صلات معروفة بـجماعة الإخوان المسلمين. ورغم أن المرسوم الأميري لم يحدد المادة القانونية الدقيقة التي استند إليها، فإن التكهنات تشير إلى أنه يقع في إطار حملة حكومية مستمرة لتنقية سجلات الجنسية، لا سيما تلك التي تُعتقد أنها اكتُسبت بطرق غير قانونية أو تلك التي تُرصد عليها أنشطة “تمس أمن الدولة” أو “تقوّض النظام”. هذا الخبر يأتي ليزيد من حدة الجدل الدائر حول ملف التجنيس، ويضع شخصية عامة معروفة عالمياً في قلب العاصفة، مما يرفع من مستوى الاهتمام الإعلامي والحقوقي بهذه القضية.

 

  خلفيات الأزمة: الأبعاد القانونية لموجة السحب الكبرى

شهدت الكويت خلال العامين الماضيين موجة كبيرة وغير مسبوقة لسحب الجنسية من آلاف الأشخاص، شملت شخصيات متعددة من رجال أعمال وأكاديميين وقادة أمنيين. تستند الحكومة الكويتية في قراراتها إلى قانون الجنسية الكويتي الصادر بالمرسوم الأميري رقم 15 لسنة 1959.

الأساس القانوني للسلطة التقديرية

تتركز صلاحيات السحب والإسقاط في مواد حاسمة تمنح السلطة التنفيذية (بناءً على عرض من وزير الداخلية) سلطة تقديرية واسعة:

  • المادة 13 (الغش والتزوير): هي الأداة الأكثر شيوعاً، وتمنح مجلس الوزراء الحق في سحب الجنسية من أي شخص اكتسبها بـطريق الغش أو بناءً على أقوال كاذبة أو شهادات غير صحيحة.
  • المادة 21 مكرر (ج) (الأمن القومي): تتيح سحب الجنسية ممن اكتسبها إذا ثبت ارتكابه لجريمة مخلة بالشرف أو الأمانة، أو في حال ثبوت انتمائه لجهات تعمل على تقويض النظام أو تقوّض الولاء للوطن. قرار استهداف شخصيات سياسية أو ذات صلات خارجية (كحال السويدان) يندرج غالبًا تحت هذا المحور.
  • المادة 21 مكرر (ب) (ازدواج الجنسية): تُستخدم لسحب الجنسية ممن يحملون جنسية أخرى دون إذن رسمي.

يرى كثير من المراقبين أن خلفيات هذه القرارات تتجاوز مجرد “التدقيق الإداري” لتلامس صراعات سياسية داخلية وتصفية حسابات مع تيارات معارضة، حيث يُستخدم الغموض القانوني لمصطلح “تقويض النظام” كذريعة للحد من نفوذ هذه التيارات.

 

  الأمير الجديد والدلالات السياسية للقرارات

إن توقيت وتواتر هذه القرارات يطرح تساؤلات حول علاقتها بعهد الأمير الحالي، الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح.

رغم أن ملف الجنسية هو ملف “سيادي”، إلا أن تصاعد القرارات في فترة ما بعد انتقال السلطة يشير إلى:

  • تجديد العهد وتصفير الملفات: قد تعكس الحملة محاولة لـ”تصفير” ملف التجنيس المعقّد والمثير للجدل، ووضعه على أسس “أكثر صلابة” في بداية العهد الجديد.
  • دعم التوجه الأمني والإداري: يعكس تصاعد الحملة دعماً من القيادة الجديدة لجهود الحكومة ووزارة الداخلية في فرض هيبة القانون ومعالجة أي اختراقات أو تلاعب بـالهوية الوطنية، مما يشير إلى أولوية لـالأمن القومي وإدارة الدولة بـ”قبضة أكثر حزماً” في المرحلة الحالية.

هذا التوجه يمثل محاولة لإعادة تعريف مفهوم المواطنة والولاء، ليس فقط على أسس قانونية، بل وعلى أسس سياسية صارمة.

 

  الآثار الاقتصادية والاجتماعية: تكلفة قرارات السيادة

هذه الموجة من سحب الجنسية، التي تشمل آلاف الأفراد، لها تداعيات مباشرة وخطيرة على البنية الاقتصادية والاجتماعية للكويت.

الأثر الاقتصادي: نزيف الثروات والخبرات

  1. تجميد الأصول والاستثمار: إن سحب الجنسية من رجال أعمال ومالكين لشركات يؤدي تلقائياً إلى تجميد أرصدتهم وإلغاء تراخيصهم التجارية، حيث يُمنع غير الكويتيين من ممارسة أنشطة معينة أو التملك بنسب محددة، مما يخلق بيئة من عدم اليقين الاقتصادي ويؤثر على الحركة التجارية والمالية.
  2. فقدان الكفاءات: شملت القرارات أكاديميين، ومهنيين، وأطباء، وكوادر متخصصة اكتسبت خبرتها في الكويت. تحويل هؤلاء إلى “مقيمين” أو إجبارهم على المغادرة يمثل نزيفاً للأيدي الماهرة المدربة على نفقة الدولة ويضعف من قدرة سوق العمل المحلي.
  3. تكلفة إعادة الهيكلة: على المدى القصير، قد يخفف سحب الجنسية من الضغط على الميزانية (إلغاء المخصصات والدعم الحكومي)، لكنه على المدى الطويل يتطلب إعادة هيكلة إدارية واقتصادية لتعويض الفراغ الذي تتركه هذه الكفاءات.

  الأثر الاجتماعي: تفكك الأسر وتهديد الاستقرار

  • تفكك النسيج الأسري: النتيجة الأقسى هي أن سحب الجنسية من رب الأسرة ينسحب تلقائياً على زوجته وأولاده (المكتسبة جنسيتهم بالتبعية)، مما يحوّل أسر كويتية النشأة إلى “مقيمين” في ليلة وضحاها، ويفكك النسيج الاجتماعي لأسر كانت تعتبر نفسها جزءاً أصيلاً من المجتمع الكويتي.
  • التحديات القانونية للأبناء: يصبح الأبناء مجبرين على تجديد الإقامة والعمل كأي وافد، مما يعيق مسيرتهم التعليمية والمهنية ويخلق جيلاً من الشباب الذين يشعرون بالغربة القانونية والاجتماعية في بلدهم.
  • انعدام الشعور بالأمان: خلقت هذه الموجة حالة من الخوف والقلق العميق بين آلاف الكويتيين المجنسين، مما يضر بمفهوم الاستقرار الاجتماعي والاندماج، ويزرع بذور الشقاق بين مكونات المجتمع.

 

من “واحة الديمقراطية” إلى التحول الجديد: ماذا الدلالة؟

لطالما وُصفت الكويت بـ”واحة الديمقراطية” وحرية التعبير في الشرق الأوسط. لكن اللجوء المتزايد إلى قانون الجنسية (وهو “عمل سيادي” يصعب الطعن فيه قضائياً) للتعامل مع معارضين وشخصيات ذات نفوذ سياسي يرمز إلى:

  1. تآكل مساحة النقد والتعبير: إن استهداف شخصيات لأسباب ترتبط بآرائهم أو انتماءاتهم السياسية يبعث برسالة تضييق على حرية التعبير ويقلص من مساحة النقد المتاح.
  2. سيادة الأمن على السياسة: يشير هذا إلى أن الاعتبارات الأمنية ومصلحة الدولة العليا (كما تراها السلطة التنفيذية) أصبحت لها الأولوية المطلقة على حساب الحقوق المدنية والسياسية.
  3. تحدي التعددية السياسية: إن إضعاف القواعد الاجتماعية والسياسية لتيارات معارضة (كحالة الإخوان المسلمين) يشير إلى توجه نحو مزيد من المركزية ومحاولة إعادة تشكيل الخارطة الانتخابية والاجتماعية لضمان ولاء أكبر للسلطة التنفيذية.

 

  تحدي التوازن بين السيادة والعدالة

إن موجة سحب الجنسية الكويتية هي أبعد ما تكون عن كونها مجرد إجراء إداري، بل هي منعطف تاريخي يهدف إلى إعادة تعريف مفهوم المواطنة والولاء في البلاد.

في الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة على حماية الأمن القومي وتصحيح اختراقات قانونية خطيرة، فإن القرارات تُقابل بمخاوف واسعة النطاق بشأن المساس بالاستقرار الاجتماعي وحقوق الإنسان والعدالة. التحدي الأكبر الذي يواجه الكويت اليوم هو كيفية الموازنة بين الحاجة لحماية كيان الدولة وسيادتها، وبين تطبيق القانون بشفافية وعدالة تضمن حقوق آلاف الأفراد الذين تتأثر حياتهم ومستقبلهم بشكل جذري. هذه التطورات تشير إلى أن الكويت تمر بمخاض تحول عميق، وستكون تداعياتها محددة للمسار المستقبلي لـ”واحة الديمقراطية” في المنطقة.

 

 

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد