عبد الإله بنكيران يسبب “مغصاً شتوياً” للإعلام الإسباني
قراءة في دلالات الخطاب وتعدد القراءات في مدريد
الشوارع ـ المحرر
لم يكن خطاب عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، في مدينة فاس مجرد استحضار للذاكرة التاريخية بمناسبة ذكرى “وثيقة المطالبة بالاستقلال”، بل تحول إلى فتيل أشعل نقاشاً محتدماً في الضفة الشمالية للمتوسط. فبينما كان بنكيران يتحدث عن حتمية عودة سبتة ومليلية للسيادة المغربية، كانت غرف الأخبار في مدريد والمدينتين المحتلتين تعيش حالة من الاستنفار.
فاس.. تجديد التمسك بالثغور المحتلة
أمام حشد من مناضلي حزب “المصباح”، أكد رئيس الحكومة الأسبق أن “المغاربة لم ينسوا مدينتيهم المحتلتين”، مشدداً على أن استرجاعهما يظل طموحاً وطنياً يتطلب العمل والاجتهاد. ورغم حرصه على نفي أي توجه نحو المواجهة العسكرية، إلا أن وصفه لوجود الإسبان بالمدينتين بأنه “أمر غير منطقي” كان كافياً لإثارة حفيظة الإعلام الإسباني.
كيف انقسمت القراءات داخل إسبانيا؟
لم يكن رد فعل الإعلام الإسباني موحداً، بل عكس انقساماً أيديولوجياً تجاه العلاقة مع الرباط، وهو ما يمكن تفصيله كالآتي:
- الصحافة اليمينية والمحافظة (ABC, El Mundo, El Faro)
تبنت هذه الصحف نبرة “هجومية” وتحذيرية، حيث اعتبرت تصريحات بنكيران:
- تهديداً مباشراً: وصفت صحيفة “إل فارو” التصريحات بأنها “خطيرة” وتمس جوهر الوحدة الترابية الإسبانية.
- ابتزازاً سياسياً: رأت الصحف المحافظة في مدريد أن هذا الخطاب يعكس “أجندة خفية” للمغرب، محذرة حكومة “بيدرو سانشيز” من الركون إلى الهدوء الحالي مع الرباط.
- تشكيكاً في النوايا: استغلت هذه المنابر الخطاب للترويج لفكرة أن المغرب “لا يشبع” جغرافياً، وأنه سيعود للمطالبة بسبتة ومليلية بمجرد إغلاق ملف الصحراء.
- الصحافة الليبرالية والمقربة من الحكومة (El País)
كانت هذه الصحف أكثر هدوءاً وعقلانية في تناولها، حيث ركزت على:
- حصر الخطاب في سياقه الحزبي: حاولت تصوير تصريحات بنكيران كـ “استهلاك داخلي” يهدف لاستعادة شعبية حزب العدالة والتنمية من خلال دغدغة العواطف الوطنية.
- الحفاظ على التوازن الدبلوماسي: شددت على أن الموقف الرسمي للدولة المغربية يلتزم بخارطة الطريق الموقعة بين البلدين، وأن تصريحات زعيم حزبي “معارض” لا تمثل الموقف الرسمي للرباط.
بين حتمية التاريخ وواقعية السياسة
أشار بنكيران إلى أن الملف “سيأتي وقته”، وهو تصريح يقرأه المحللون الإسبان بقلق مضاعف؛ لأنه لا يربط الاسترجاع بحدث آني، بل بـ “منطق التاريخ”. هذا المنطق هو ما يخشاه الإسبان، خاصة مع التحولات الجيوسياسية الكبرى التي جعلت من المغرب قوة إقليمية صاعدة اقتصادياً وعسكرياً.
عوامل تزيد من قلق “مدريد”:
- مشروع “ميناء الناظور غرب المتوسط”: الذي يُنظر إليه كبديل اقتصادي سيخنق ميناء مليلية.
- ترسيم الحدود البحرية: الذي لا يزال ملفاً شائكاً يتداخل مع سيادة الجزر والمدن المحتلة.
- النمو العسكري المغربي: وتحديث الترسانة الدفاعية في المناطق الشمالية.
أزمة عابرة أم بوادر تحول؟
رغم أن “المغص الشتوي” الذي أصاب الإعلام الإسباني قد يهدأ قريباً، إلا أن خطاب بنكيران نجح في إيصال رسالة واضحة: قضية سبتة ومليلية ليست منسية في الوجدان المغربي.
بينما تستمر مدريد في وصف المدينتين بـ “الإسبانيتين”، يظل المغرب، رسمياً وشعبياً، ينظر إليهما كجزء لا يتجزأ من ترابه الوطني، بانتظار اللحظة التاريخية المناسبة لفتح هذا الملف على طاولة المفاوضات الدولية.
