الشوارغ ــ المحرر
يعد المغرب تاريخياً من الدول التي تعاني من ثنائية “الجفاف والفيضانات”. فرغم موقعه الجغرافي الذي يضعه تحت رحمة ندرة المياه، إلا أن المملكة شهدت عبر العقود السبعة الماضية دورات مناخية عنيفة حولت مجاري المياه إلى أدوات للدمار. ومع حلول عام 2026، والفيضانات الاستثنائية التي شهدتها أقاليم الشمال والوسط، أصبح من الضروري مراجعة هذا التاريخ لفهم كيف تطورت استراتيجية المواجهة المغربية.
- حقبة الستينيات: صدمة البدايات
في منتصف القرن العشرين، لم تكن البنية التحتية للمغرب، خاصة السدود، قد اكتملت بعد. كانت الفيضانات في تلك الفترة تأتي مباغتة ومدمرة.
- فيضانات 1950-1955: شهدت مناطق الغرب وسوس فيضانات عارمة أدت إلى تدمير مساحات زراعية شاسعة. كانت هذه الكوارث المحفز الرئيسي للمغفور له الملك الحسن الثاني لإطلاق “سياسة السدود” الشهيرة في الستينيات.
- فيضان 1963: يعتبر من أخطر الفيضانات التي ضربت سهل الغرب، حيث غمرت مياه وادي سبو آلاف الهكتارات، مما أبرز الحاجة الملحة لمنشآت كبرى تضبط تدفق المياه.
- حقبة التسعينيات: مأساة أوريكا والتحول في الإنذار المبكر
تعتبر فترة التسعينيات نقطة تحول كبرى في الوعي المغربي بخطورة الفيضانات الفجائية (Flash Floods).
- فيضان أوريكا (غشت 1995): تظل هذه الكارثة محفورة في ذاكرة المغاربة. ففي دقائق معدودة، تحول وادي أوريكا الهادئ بضواحي مراكش إلى سيل جارف أدى إلى وفاة المئات من السياح والمواطنين وتدمير البنية التحتية بالكامل.
- الدروس المستفادة: بعد أوريكا، بدأ المغرب في تطوير أنظمة “اليقظة الرصدية” والإنذار المبكر، وتم تقييد البناء في الأودية بشكل أكثر صرامة.
- العقد الأول من القرن 21 : الغرب والشمال تحت الحصار
مع بداية الألفية الثالثة، بدأ تأثير الاحتباس الحراري يظهر بوضوح عبر اضطراب وتيرة التساقطات.
- فيضانات 2002 (المحمدية وسطات): تسببت أمطار طوفانية في غرق أجزاء من مدينة المحمدية، وأدت إلى حادثة مأساوية في مصفاة “سامير”.
- أزمة الغرب 2009-2010: شهدت مناطق سيدي سليمان وسيدي قاسم والقنيطرة فيضانات استمرت لأسابيع نتيجة فيض وادي سبو وروافده، مما تسبب في خسائر اقتصادية بمليارات الدراهم.
- فيضانات الجنوب 2014: اختبار القوة للصمود
في نهاية عام 2014، شهدت أقاليم الجنوب (كلميم، تيزنيت، تارودانت) فيضانات وصفت بالتاريخية. انهارت القناطر وعُزلت قرى بالكامل، مما استدعى تدخلاً جوياً واسع النطاق من الجيش الملكي. هذه المرحلة أكدت أن التغير المناخي لم يعد يستثني المناطق الجافة وشبه الجافة.
جدول: أبرز المحطات التاريخية للفيضانات في المغرب
| السنة | المنطقة الأكثر تضرراً | السبب الرئيسي |
| 1963 | سهل الغرب (وادي سبو) | غياب السدود الكبرى |
| 1995 | وادي أوريكا (مراكش) | عاصفة رعدية فجائية |
| 2002 | المحمدية وسطات | ضعف قنوات صرف الأمطار |
| 2014 | كلميم والجنوب | تساقطات استثنائية في زمن وجيز |
| 2026 | العرائش والشمال | فيضانات تاريخية لسد وادي المخازن |
- عام 2026: الوضعية الاستثنائية والتحول التكنولوجي
نعيش اليوم في عام 2026 وضعية هيدرولوجية لم تشهدها المملكة منذ عقود. فبعد سنوات من الجفاف، سجلت مناطق الشمال تساقطات فاقت المعدلات السنوية بنسبة 180%.
- تحدي سد وادي المخازن: سجل السد نسبة ملء خيالية (146%)، مما فرض عمليات تفريغ وقائية ضخمة.
- الإجلاء الاستباقي: لأول مرة في التاريخ، يتم إجلاء أكثر من 108 آلاف شخص بناءً على نماذج محاكاة رقمية تتوقع مسار المياه بالدقيقة والساعة، وهو ما يعكس التطور الهائل في إدارة الكوارث.
- لماذا تتكرر الفيضانات رغم وجود السدود؟
يتساءل الكثيرون عن سبب استمرار هذه الأزمات رغم توفر المغرب على أكثر من 150 سداً كبيراً. الإجابة تكمن في ثلاثة عوامل:
- التغير المناخي: تحولت الأمطار من تساقطات منتظمة إلى “قنابل مائية” تسقط في وقت وجيز جداً.
- التوسع العمراني: الزحف السكاني على “سرير الوادي” الطبيعي يزيد من حجم الخسائر البشرية.
- قدرة الاستيعاب: السدود لها قدرة استيعابية محددة، وعندما تتجاوز الواردات المائية هذه القدرة، تصبح عمليات التفريغ ضرورة لحماية جسم السد من الانهيار.
- استراتيجية المغرب المستقبلية (أفق 2030)
يسعى المغرب حالياً إلى تبني سياسة “التكيف” بدلاً من مجرد “الاستجابة”، وذلك من خلال:
- الربط المائي: تحويل فائض المياه من أحواض الشمال (سبو واللوكوس) إلى أحواض الوسط والجنوب التي تعاني الجفاف.
- التأمين ضد الكوارث: تفعيل صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية لتعويض الأسر والفلاحين.
- التشجير وحماية الأحواض: للحد من تعرية التربة وتوحل السدود.
خاتمة
تاريخ الفيضانات في المغرب هو قصة صراع مستمر مع الطبيعة. من نكبات الخمسينيات التي كانت تمر بصمت، إلى عام 2026 حيث أصبحت “الرقمنة” و”الاستباقية” هما السلاح الأول لحماية المواطن. يبقى الوعي الشعبي والالتزام بتوجيهات السلطات هو الحلقة الأهم في هذه السلسلة لضمان العبور بسلام نحو مستقبل أكثر أماناً مناخياً.
