أرشيف الدم والقمامة: وثائق إسرائيلية سرية تكشف مخطط مجازر نكبة 1948
الشوارع
يكشف تحقيق مطوّل استند إلى آلاف الوثائق التاريخية التي فُتح جزء منها مؤخرًا، عن معطيات صادمة تسلّط الضوء على ممارسات العنف والقتل والتهجير القسري التي رافقت قيام دولة إسرائيل عام 1948. هذا التحقيق، الذي نشره الباحث “آدم راز”، يعيد رسم ملامح “النكبة” ليس كصدفة حربية، بل كسياسة ممنهجة استُخدم فيها الإرهاب المنظم لإفراغ الأرض من سكانها.
صدفة في الحاوية: كيف خرج الأرشيف السري إلى الضوء؟
بدأت القصة في مارس 2024، عندما عثرت عالمة الحيوان “رونيت زيلبرمان” على صناديق مكدسة بآلاف الوثائق بجانب حاوية قمامة في تل أبيب. لم تكن هذه مجرد أوراق قديمة، بل كانت أرشيف “رافي كوتسر”، أحد أوائل مقاتلي لواء “غولاني”.
تضمنت هذه الوثائق أوامر عسكرية مكتوبة بخط اليد، وخرائط، وصوراً لم تُنشر من قبل، توثق بدقة متناهية كيف كان القادة الميدانيون يتلقون تعليمات مباشرة لتنفيذ عمليات “تطهير” عرقية.
أوامر القتل المكتوبة: “أبيدوا كل من تصادفونه”
برزت ضمن الوثائق أوامر صاغها “يتسحاق بروشي”، قائد الكتيبة 12، تحت عنوان: “السلوك في القرى المحتلة”. هذه الأوامر نسفت السردية الإسرائيلية التقليدية حول “طهارة السلاح”، حيث نصت صراحة على:
- إطلاق النار فوراً على أي شخص يتبادل بطاقة هويته مع آخر.
- إعدام كل “رجل عاشر” في القرى التي يُعثر فيها على غرباء كإجراء عقابي.
- إبادة جماعة “عرب الذبح” البدوية تماماً ومحو وجودهم.
- أوامر مباشرة بـ “قتل كل مختبئ” وتطهير المناطق من السكان عبر “إبادة كل عربي يُصادف”.
اعترافات القادة: الإرهاب كأداة للتهجير
لم تكن هذه الأفعال مجرد “تجاوزات فردية”، بل كانت استراتيجية مدروسة. في شهادات نادرة قُدمت خلال محاكمة “شموئيل لاهيس” (الجندي الوحيد الذي حوكم بتهمة القتل)، أدلى ضباط كبار باعترافات تزلزل الوجدان التاريخي:
- مردخاي مكلف (رئيس الأركان اللاحق): اعترف بوقوع عمليات تصفية للمدنيين في اللد والرملة والجليل، مؤكداً: “لا يمكن طرد 114 ألف شخص من دون إرهاب.. كان لا بد من عنصر رعب أولي كي يرحلوا”.
- مكسيم كوهين (قائد لواء كرميلي): كشف عن أساليب وحشية بقوله: “كيف تُفرغ قرية؟ تقطع أذن أحد العرب أمام الجميع فيفرون جميعاً.. انتصرنا بفضل الخوف”.
- يسرائيل كرمي (قائد كتيبة): روى تفاصيل احتلال بئر السبع، حيث صدرت أوامر بقتل كل من يظهر في الشارع، بمن في ذلك النساء والأطفال.
أنماط المجازر في النكبة
بناءً على دراسات المؤرخ الفلسطيني “صالح عبد الجواد” التي تقاطعت مع الوثائق الجديدة، يمكن تصنيف المجازر التي تجاوز عددها 100 مجزرة إلى خمسة أنماط رئيسية:
- القتل الشامل: كما حدث في “الدوايمة” و”دير ياسين”.
- القتل العشوائي أثناء الاقتحام: كما جرى في شوارع بئر السبع.
- الإعدامات الانتقامية: لتخويف القرى المجاورة (مثل بلد الشيخ).
- تصفية الأسرى والرجال: صفوف من الرجال يُعدمون أمام الجدران (مثل مجد الكروم).
- قتل “العائدين”: إطلاق النار على المدنيين الذين حاولوا العودة لجمع طعامهم أو تفقد بيوتهم.
سياسة الإخفاء: لماذا يخشون الأرشيف؟
تتبع إسرائيل سياسة صارمة لإخفاء هذه الحقائق. فمن أصل 17 مليون ملف، لا يزال 16 مليوناً محجوباً عن الجمهور. وتكشف الوثائق أن موظفي الأرشيف لديهم تعليمات بحجب أي مادة:
- تسيء لسمعة الجيش أخلاقياً.
- تتحدث عن طرد العرب أو قتل الأسرى.
- توثق حالات الاغتصاب أو “عدم الالتفات للأعلام البيضاء”.
من 1948 إلى غزة.. هل يتكرر التاريخ؟
إن إنكار جرائم عام 1948 لم يكن مجرد فعل أكاديمي، بل كان وقوداً لاستمرار الصراع. التحقيق يخلص إلى أن المجتمع الذي يقمع ذاكرة المجازر والتهجير يسهل عليه إغماض عينيه عما يحدث في الحاضر. فالأوامر الشفهية بـ “التطهير” التي صدرت في اللد وحولا، تجد صداها اليوم في سياسات الأرض المحروقة، مما يجعل الاعتراف بالماضي شرطاً أساسياً لأي عدالة مستقبلية.
