أحمد الجلالي
لا يكاد المرء يصدق ــ لولا الوثيقة المرئية ــ أن ما حدث ليلة “الشعالة” حدث فعلا بالمغرب. ولو كان أحدنا في غيبوبة وصحا فجأة وعرضوا عليه ما وقع من حرب على السلطات العمومية لقال بلا تردد إن الأمر يتعلق بإحدى بؤر الصراع في بلاد قصية.
لسوء الحظ أن ما حصل لم يكن في بلد قصي بل عندنا هنا في المغرب الأقصى، وتحديدا في عاصمتيه السياسية والاقتصادية.
الذي وقع لا يدعو فقط إلى التشدد الذي أصبحت الزيادة في جرعاته من نافل القول، وإنما يدعو أيضا إلى الجلوس أرضا والتفكير مليا في مراجعات تمس عمق السياسات العمومية ذات الصلة بكل شيء تقريبا، وفي ومقدم الأمر التربية من البيت إلى المدرسة مرورا بالإعلام الرسمي والخصوصي والموازي عبر الأنترنت.
لقد كان صادما بحق منظر القوات العمومية وهي تدحر دحرا في جرب شوارع حقيقية من قبل جحافل/ثمار السير العام للبلاد على مدى العقود الثلاثة الأخيرة على الأقل.
واللافت في النازلة أن التعزيزات لم تصل في الحال وتركت تلك المجموعة من العناصر ترجم بالحجارة في مشهد بائس جدا كان يفترض معه بلا تردد إطلاق الرصاص حماية للنفس وكبحا لجموح كائنات بدائية خرجت من كل جحر لتحتفل بشعالتها على طريقة الضباع المحمومة.
كل شيء يمس صناعة الإنسان في المغرب يجب أن يراجع وبلا تباطؤ، فقد نبت مئات الآلاف من فتوات “ترعوانيت” أشكالها بشعة مخيفة،لغتها تمتح من مجاري السجون وأفعالها تغرف من مرجعيات الإجرام.
قبل أن يطلع علينا أصحاب “المقاربات المندمجة” ــ وهم إلى الهبوط أقرب ــ يجب تفعيل المقاربة الأمنية والسجنية بقوة توقف سيل الإجرام وتبطيء زحفه ريثما يعالج المرض من الجدر.
ــ كان يجب في تلك الليلة النزول بأعداد كافية ومدججة بما يلزم لتكسير عظام الضباع وسحق خياشيمها في “عين المكان” لتكون عبرة لمن يتهيأ ليفعل مثلها حاليا أو لاحقا.
ــ كان يجب أن يلعلع الرصاص المبارك ليردع قطعان الهمج علها تصحو إلى حالها وتعرف أن المساس بالأمن العام وبالقوى العمومية خطر قد يكلف هذه المخلوقات حياتها.
وبعد هذا، يجب أن تصبح السجون أولى بهؤلاء وأن تخلى لهم أماكن السجناء الأقل خطرا كمعتقلي الحراكات الاجتماعية أو أي من مخالفي القانون ممن لا يخشى خطرهم وقد أدوا فترة من عقوباتهم.
كما يجب سن سياسة سجنية خاصة بهم تتلخص في ثلاثة محاور:
ــ التدريس الإجباري بمضمون يهدف إلى علاجهم نفسيا مع ربط الاجتهاد والنقط المحصلة بتقليص مدة العقوبة.
ــ معاملتهم بما يعامل به العسكريون في طور التدريب من حيث الصرامة وعدم التسامح لتنقية أجسامهم وعقولهم من مخلفات الإدمان وباقي البلاوي السوداء.
ــ استثمار طاقتهم في أوراش عمل ميداني شاق ومنتج في التنظيف وقلع الأحجار وصيانة الطرق وقطع الغابات وتنظيف الشواطئ وكل ما يفيد البيئة، مع فرض حراسة مسلحة عليهم بحيث يكون البارود سالكا إلى سيقان كل من يحاول أن يلوذ بالفرار.
وهكذا، وقبل وضع خطة تربوية مندمجة كفيلة بصنع رجال ونساء مغرب الغد، تكون الخطة المقترحة قد أطفأت سعار من أصيبوا بذلك الوباء الذي شاهدتموه ليلة “الشعالة”.
