أحمد الجـَـــلالي
لم يكد يومان فقط يمران على الأمر الملكي لرئيس الحكومة سعد الدين العثماني باستمرار الوزراء في القيام بمهامهم إلى آخر يوم من الولاية الحكومية، لكن دون تغطية الإعلام العمومي لأنشطتهم، حتى خرج الوزير البرمائي أخنوش بطوفان من الوعود الدعائية التبشيرية بعهده الافتراضي الزاهر للمغاربة.
وفي حين كنا ننتظر أن يستوعب أمناء الأحزاب جميعهم معنى التوجيهات الملكية التي تدعو في عمقها إلى تخليق هذه اللعبة السياسية المغربية عديمة الأخلاق وقليلة الحياء، تطايرت الوعود في سماء المغرب الانتخابوي نهارا جهارا.
ولم ينتظر أخنوش، وحتى من ردوا على وعوده من قادة العدالة والتنمية، الانطلاق الرسمي للحملة الانتخابية، وفق ما ينص عليه القانون، بل شرع في نثر الوعود والأرقام وكأننا في قلب الحملة. وهو تسرع فاق كل حدود الغرابة والصبيانية السياسية.
وإذا لم يكن ما أقدم عليه أخنوش من أكادير خرقا للقانون بشكل سافر فإننا بعد لا نعرف معنى خرق القانون، وإذا لم يكن لدستور هذه البلاد ملك يحميه فإننا قد حق لنا وعلينا أن نترحم على القانون ونقرأ على روحه السلام.
ويكفي أن ينظر أصحاب الحل والعقد إلى ردود فعل الاستهجان والاستقباح التي واحج بها المغاربة بكل أطيافهم ما وعد به رئيس التجمع الوطني للأحرار ومن والاه: لقد سفهوا كل كلمة وسطر وعبارة جاءت في متن الوعود الأخنوشية بالتعليق المضاد بلغة بسيطة وخطاب ينسف الأطروحة نسفا وبسيل من السخرية السوداء القاتمة.
وإجمالا، تركزت الحملة الشعبية المضادة لهذا الشرود السياسي لزعيم حزب “الإيريني” على التالي:
ــ إرجاع الـ مليار درهم ذات الصلة بقصة المحروقات قبل أي كلام أو وعد
ــ هذه الوعود التي تقدمها للمغاربة اليوم ما منعك من تحقيقها وقد عمرت طويلا في الحكومة على رأس قطاعات حيوية؟
ــ كيف لوزير شبه أبدي على رأس الفلاحة والصيد البحري عجز عن إنقاذ هاذين القطاعين أن ينجح في أي شيء آخر، بله أن يرأس حكومة بحالها؟
ــ كيف تقرصن مخرجات برامج الحماية الاجتماعية على أنه من بنات أفكار حزبك وتعتمده مشروعا انتخابيا طريا؟
ــ لماذا أغلقت فمك وانتظرت حتى تم تقديم التقرير النهائي للجنة النموذج التنموي أمام الملك قبل أيام في فاس
ــ ومن سوء حظ “الأحرار” أن ذاكرة المغاربة ليست بضعف ذاكرة السمك الذي يتولى أمره وزيرهم في الصيد البحري، ولذلك فقد أخرجوا لـ”سي عزيز” منشورا دعائيا انتخابيا يعود إلى ثلاثة عقود مضت كان قدمها لسكان الدائرة الانتخابية لبيوكرى وقارنوا بين الوعود السابقة وواقع “بيوكرى” فلم يجدوا غير الشيح والريح.
ــ أما الوعود بتحسين أجور أساتذة التعليم الابتدائي وتحسين خدمات المجال الصحي ودعم من في سن التقاعد بألف درهم فبقدر ما أثارت امتعاض المغاربة ، حررت مخزون الازدراء الذي باتوا يكنونه للأحزاب فاندلق طوفانا من النقد اللاذع الحارق.
وما يؤسف لك ويثير الأسى فعلا أنه وفي حين كان يجب على ما تبقى من المثقفين والصحافيين “المشهورين” وأصحاب الرأي “يا حسرة” أن يرفعوا عقيرتهم بالنقد والاستنكار لكل هذا العبث الحزبي، انبرى كثيرون للتطبيل والتهليل، مشاركين بذلك في تكريس خرق القانون والتغوط على ما تبقى من بعض البياض بصفحة المحيا السياسي/الحزبي في هذه البلاد.
وليس خافيا أن كثيرا من مؤسسات الإعلام في المغرب صارت تابعة لأخنوش منذ سنوات، وهذا ليس عيبا على رجل أعمال أن تكون له أذرع إعلامية، بل العيب والعار ألا تكون لهذه الوسائط المنبهات والكوابح الأخلاقية الذاتية حينما ينتهك القانون. وليس سيئا أن يستثمر أخنوش وغيره في الصحافة والإعلام بل عين السوء أن يصبح الصحافي، وهو يرضخ لصاحب المشروع، مجرد بوق أو طبل يرجع الصدى.
ومعلوم لدى القاصي والداني في المغرب تلك الأسطوانات التي يتم تمريرها حول حتمية قيادة أخنوش للحكومة المقبلة كونه “مدعوما من المخزن” وفي رواية أخرى “إنه صديق الملك”، وعلى كل حال فليس اليوم فقط من نسمع بهذه الأساطير التي يستخدمها البعض مثلما تستخدم حكاية “المهدي المنتظر” في كل مكان من بلاد العرب والمسلمين حتى صار لكل عصر “مهديه”.
وليس لدينا أي تردد في القول إن ادعاء القرب من الملكية ليس إلا حيلة الضعفاء العاجزين عن إثبات قوتهم على الأرض ليستمدوا مشروعيتهم من شرعية الإنجاز والنزاهة، ساعتها سيقربهم الملك منه قانونيا ودستوريا ويجعل منهم ورزاء ورؤساء حكومات ومستشارين حتى.
وإن كان ولا بد أن يكون الملك قريبا من جهة ما فإن الجهة الوحيدة التي لا يعيبها ولا يعيب الملك التقرب منها هي الشعب المغربي. إن هذا الذرع الحقيقي للنظام والدولة هو الذي يجب أن يكون محور كل السياسيات وإليه تنتهي نتائج كل القرارات.
وإن كان ولابد أن نعتبر أشخاصا يستحقون أن يكونوا”مقربين للملك” بالمعنى المكاني والزماني والشخصي، فهم اولئك الذيم يشتغلون بتفان وصمت وتواضع ويصلون الليل بالنهار من أجل أمن المغرب وحراسة حدوده، أي جنود الخفاء الذين قد نعيش ونموت ولا نعرف حتى أسماءهم أو صورهم.
إن ملايين الكادحين من هذا الشعب الذين يشتغلون في الحقول والمصانع والحرف ومن يدفعون الضرائب ولا يقولون “أح” هم الحزب السياسي الحقيقي الفاعل في هذا الوطن، والذين لن يبيعوا ذممهم في الاستحقاقات المقبلة بمال الدنيا. أولئك الذين لا تنطبق عليهم مقولة :”إن مائتي درهم لا يمكن أن تشتري لك حمارا لكنها تكفي كي تشتري حلوفا في الانتخابات”..حاشاكم.
طبعا، لا نتهم أي حزب بالإسم بالرشوة لكن لا أحد يستطيع النفي الكلي لوجود هذه الظاهرة المقيتة ببلادنا فضلا عن الزعم بنظافة ناصعة للعلمية برمتها، وعلى كل فسجل الفاعلين لم يحز بعد وثيقة “حسن السيرة”.
لا صلة لي بأخنوش ولا بآله وصحبه، ولا تربطتي به عاطفة إيجابية ولا حقد من أي نوع، فهو عندي مجرد إسم من الأسماء وواحد من السياسيين لكني لم أر فيه يوما ما يؤهله للزعامة، كما لم أر في بنكيران ولا العثماني أي مؤهلات علمية وعملية تجعلهما يستحقان الجلوس على كرسي “الرئاسة” اللهم المعطى الدستوري المتمخض عن “شرعية التصدر الانتخابي” المتوج بالاختيار الملكي.
لكني لا أعرف حقا لماذا لا يكف أخنوش عن السقوط المتتالي، فكلما خرج الرجل ليخطب في الناس وقع في مطب وانقلبت بنات لسانه وبالا عليه. فمن التهديد “بإعادة التربية” في إيطاليا إلى ما صدر من وعود من قبله في واقعة أكادير قبل يومين لا مانع أن يعيد النظر في “نوع” التربية السياسية التي جعلته يصل إلى هذا القعر السحيق من السقوط، ولا بأس في إعادة “التربية الذاتية”. ولتكن البداية بمراجعة الطاقم التواصلي المتحلق حوله على أساس أنهم خبراء تواصل، والحال أنهم لفيف من عديمي الموهبة والإبداع: المال يصنع واجهات، لكن المضمون يصنعه الأكفاء.
من لا يعرف فهو يشعر على الأقل، ومن لا يدري فهو “حاس” أن الانتخابات المقبلة ستكون الأضعف على مستوى المشاركة الانتخابية للمواطنين لأسباب وتراكمات يمكن أن يخبرك بها حتى الأميون، وقد كان يجب على الدولة اتخاذ أية إجراءات يمكن أن تحفز الروح الجمعية للمغاربة وتشجعهم على المشاركة، من قبيل خلق أجواق من الارتياح الشعبي عبر تحقيق مصالحة تنموية لبعض المناطق وطي ملفات حقوقية عبر مساطر العفو وجبر الأضرار.
ولكن “سقطة أكادير” إن لم يكن لها ما يتبعها عبر تدخل قانوني فوقي حاسم فإن المتوقع بلا ريب هو أن تتردى السياسة والانتخابات المقبلة إلى أسفل سافلين.
ها وجهي ها وجهكم……….والزمن بيننا حكما حكيما.
www.achawari.com
