التايب يشدد على: ” أهمية التاريخ لبناء الوعي بالذات الوطنية”

 بقلم: يونس التايب

لا شك أن الجميع يتذكر ما حصل، قبل أسابيع، من ضجة أحدثتها تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بخصوص كون دولة الجزائر أوجدها الاستعمار، و لم تكن يوما كيانا مستقلا عن الدول التي كانت تحكم في محيطها الشرقي (خلافة الأمويين و العباسيين و العثمانيين) أو الغربي (خلافة الأدارسة و المرابطين و الموحدين و المرينيين و الوطاسيين و السعديين و العلويين الأشراف)… هذا، دون العودة لمرحلة مملكة تامزغا و الحكام الذين تعاقبوا على سلطة شمال إفريقيا الأمازيغية (مملكة نوميديا و ملكها ماسينيسا المغربي/ مملكة موريطانيا الطنجية و ملكها بوكوس الأول / مملكة نوميديا وموريطانيا بقيادة يوبا الثاني و ما كان له من صولات و جولات مقاومة مستمرة للاحتلال الروماني)….

و قد خلفت تصريحات الرئيس الفرنسي، صدمة نفسية شبيهة بقوة تسونامي رهيب ضرب النخبة السياسية الحاكمة في الجزائر، و الإعلاميين التابعين لها، و صدمهم بحقيقة تاريخية يعرفها العالم، و نعرفها نحن في المملكة المغربية قبل الرئيس الفرنسي و أكثر منه، و لو أننا نترفع عن استعمالها في سجالاتنا مع “خاوتنا”، لأننا نؤمن بما قاله جلالة الملك محمد السادس، أعز الله أمره، للأشقاء الجزائريين من أن “الشر و المشاكل لن تأتيكم أبداً من المغرب، كما لن یأتیکم منه أي خطر أو تهديد”، لأن “ما يمسكم يمسنا، وما يصيبكم يضرنا” و أننا “نعتبر أن أمن الجزائر واستقرارها، وطمأنينة شعبها، من أمن المغرب واستقراره”.

و من المؤكد أن سبب “الصدمة” هو أن الحقيقة التاريخية التي أشعل لهيبها مجددا الرئيس الفرنسي، تأتي على النقيض من الخطابات التي ينتجها النظام الجزائري في محاولة لإبداع ملاحم خيالية و صناعة تاريخ وهمي يحيل على “وجود تاريخي” لما يمكن تسميته ب “أمة جزائرية” ساهمت، في يوم من الأيام، في حضارة العالم … و بالتأكيد أن ما صدر عن الدولة الجزائرية لمحاصرة موضوع التصريحات، هو دليل على الرهبة من أن يكتشف الجزائريون حقيقة الحملة الممنهجة لتزييف وعيهم التاريخي، منذ عهد الرئيس هواري بومدين بوخروبة. كما أنه دليل على وعي السلطة في الجزائر بضرورة “صناعة” امتداد تاريخي يعينها على تعزيز اللحمة الوطنية، و منح المجتمع مقومات يستند عليها ليبني وعيه بذاته.

 بكل وضوح ما يهمني من هذا الموضوع، هو التنبيه إلى حساسية وضعية الدول التي تجمع بين غياب الامتداد التاريخي، و بين رفض السماح بإطار ديمقراطي يتيح بناء الذات المجتمعية بعيدا عن مستنقع الفساد و الفتنة. و في الحالة الجزائرية، هو وضع نتجت عنه رغبة مستدامة في تأجيج نزوعات الكيد للجيران و خلق المشاكل الخارجية للتعويض عن عقدة النقص التي يعاني منها النظام. لذلك، نرى محاولات مستمرة ل “صناعة تاريخ”، كيفما كان، يمنح  بعض الثقة في النفس للصمود أمام تحديات الحاضر، و المحافظة على حظوظ التواجد في المستقبل، و ليس صناعة المستقبل ….

أقول هذا الكلام في ذكرى استقلالنا المجيد، لعله يحفز لدينا التفكير لنستحضر ثقل المسؤولية التاريخية التي علينا كمغاربة لأننا، بالملموس و بالقرائن التاريخية المادية، محظوظين لأننا نستطيع التأريخ لبدايات الكيان المغربي المستقل (سواء على شكل إمبراطورية أو إمارة أو خلافة أو مملكة) منذ أكثر من 4500 سنة …

بل، لدينا أثار أركيولوجية، منها أقدم جمجمة إنسان على وجه الأرض اكتشفت في المغرب (قرابة مدينة اليوسفية)، و عظام أقدم هيكل ديناصورات اكتشف في المغرب، و أخيرا حلي مصنوعة من قواقع بحرية هي الأقدم في تاريخ البشرية، يعود أصلها إلى نحو 150 ألف عام، اكتشفت في المغرب …. و يمكننا، بالتالي، بشكل علمي مثبت أن نقول، بفخر و دون حرج، أن المغرب هو القلب في هذا الوجود الإنساني، و هو العين التي تدفقت منها مياه الحياة البشرية لتسقي كل بقاع العالم …

لكن، من منطلق هذه الحقيقة التاريخية، أتساءل :

– هل نحن مدركون بما فيه الكفاية، لأهمية تعزيز الوعي الشعبي بالمقومات التاريخية لبناء ذاتنا الوطنية، من خلال تعميق المعرفة بمن نحن، و بطبيعة الإرث التاريخي الثقيل الذي نحمله على أكتافنا، والمسؤوليات التي يطرحها علينا؟

– و هل يمكننا أن نتوفق في بناء نموذج معاصرة ناجعة و تنزيل نموذج تنموي مغربي جديد مستدام، يحقق التأهيل الشامل و يعزز قوة المجتمع و قوة الدولة، و يثبت أركان السيادة الوطنية بمفهومها الاستراتيجي، بمعزل عن الإطار القيمي الذي ينبعث من إرث تاريخنا الوطني و من أصالتنا، باعتباره من مستلزماته السير في طريق بناء مستقبل الأمة المغربية ؟

#أنيروا_الطريق

#مغاربة_حتى_الموت

#المغرب_كبير_على_العابثين

www.achawari.com

 

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد