ورطتي مع “الكحانوت”..على خطى مصطفى محمود: الفايد المؤثر رقم 1 بالمغرب

 

 أحمد الــــجَلالي

فقط لأن نصيبي و “قلة عقلي” مجتمعين قاداني منذ القرن الماضي لأحترف واحدة من أسوأ/أجمل المهن بالعالم وهي الصحافة، لهذا السبب فحسب في نظر كثير من معارفي المتعلمين وشبه المثقفين والأميين، فأنا ولابد أني أتوفر على الإجابات لكل الأسئلة. هي ورطات ومناسبات محرجة أتعرض لها باستمرار، كما حصل لي أخيرا مع أحدهم حين سألني عندما زرت باديتي عن معنى “الكحانوت” الذي يتحدث عنه الدكتور محمد الفايد.

وقد منحني صاحب السؤال أجمل هدية اشتقت إليها ألا وهي الضحك من أعماق الأعماق، إذ هذا النوع من الضحك الحقيقي والاستشفائي هو ما ستحتاج إليه الشعوب العربية والأمازيغية اليوم وغدا. فقد صار الضحك من الداخل دواء أندر من ذلك الفرس الأسطوري ذي القرن المنبعث من الناصية.

فهمت منذ سنوات أن “السائل فلا تنهر” لا تعني فقط “السائل” بمعنى المتسول، بل وسعت معناها في عقلي ليشمل طارح السؤال الراغب في المعرفة، فلم يكن لي بد من الاجتهاد في شرحي له معنى “الكحانوت“.

 

 الانتشار المذهل:

 

هذه الواقعة جعلتني أقف على حقائق يجعلنا تسارع الزمن والتشتت الذهني نتيجة طوفان الميديا بأخبارها الزائفة نغفل عنه فلا ننتبه لحجم ومستوى التحولات الآخذة في التغلغل عميقا في العقل الجماعي للمغاربة، حيث لم يعد ممكنا محاصرة عدد من الأفكار لتصل إلى المتلقي بغتها وسمينها، كما لم يعد بالمستطاع وضع أي “فيلتر” أمام سيول وسائط التواصل الخرافية التي اقتحمت الزمكان.

فهاهو رجل بدوي بسيط شبه أمي يريد أن يعرف معنى مصطلح من كثرة تردده على مسمعيه كاد يحفظه عن ظهر الغيب، ولولا ضغط هاجس ديون “الحانوت” لنطقه صحيحا: الكهنوت.

وهاهو الدكتور الفايد يكرس نفسه المؤثر الحقيقي رقم واحد في المغرب، وربما في بلدان عربية إسلامية، سواء اتفقت معه أو اختلفت، لما لقيه من متابعة وتفاعل أسطوري لحلقاته الكثيرة والمتنوعة، سيما في عز أزمة كورونا التي بصم فيها الرجل عن جرأة وتألق حينما سكت الجميع…أطباء وخبراء وساسة وغيرهم.

فمنذ تسعينيات القرن الماضي والرجل ثابت على خطه وخطابه العلمي الممزوج بعدم إنكار الغيب، وقد حاضر في الجامعات والجوامع والجمعيات نافيا للعلن أن يكون محسوبا على حزب أو أي تكتل. ورغم أن الفايد نأى بجانبه عن الانتماء التنظيمي لكن “الإسلام السياسي” احتضنه بطريقة غير مباشرة وقدم له الدعاية واستفاد بالمقابل من شهرته ليجعله في العقل الباطن للجمهور المغربي محسوبا على “الصف الإسلامي”.

ولكن من سماهم صاحبي بـ”الكحانوت” ثاروا في وجهه خلال الأشهر الأخيرة ولم يوفروا للنيل منه أسلوبا ولا سلاحا فتاكا إلا واستخدموه ،بما في ذلك التكفير واجتزاء المقاطع وإخراجها عن سياقها وتتفيه كل كلامه وتلفيق تهم خيالية له، هم الذين كانوا قبل أمس فقط يصفقون ويهللون له ليس لأنهم يؤمنون بعلومه الكونية أو يفهمونها ولكن يكفي أنه كان يبدأ محاضراته بالبسملة.

 

مؤثر رغم أنف الحكومة:   

 

وقد اصطف ضد الفايد خليط من الناس فيهم الأمي وشبه الأمي و خريج الجامعة وإمام المسجد والراقي و “العالم” والمتعالم و المثقف وغير المثقف…وحتى من “سمع فقط” أن الفايد “قد كفر”. فلماذا كل هذه الهبة الطوفانية التي بدت منسقة من قبل “مايسترو” خفي يوجه أعضاء الجوقة بشكل محكم؟

أولا، يبدو أن القناعات التي يعبر عنها الفايد حاليا ليست جديدة إلا من حيث تاريخ بثها، وأنها أفكار يعتقد بها من زمان وقد يكون وجد الظرف الحالي الأنسب للإفصاح عنها، ولعله سأل نفسه هكذا: بلغت السبعين فإن لم أقل كل ما لدي اليوم فمتى؟ ثم توكل على الله.

ثانيا، إذا كان رجل وحده اسمه الفايد قد هدد عروش وكروش “الكحانوت” فهذا يعني أحد أمرين: إما أن الفايد ذو قوة رهيبة أو أن بيت خصومه أوهن من بيت عنكبوت. أليس كذلك، وبالعقل يا ناس؟

ثالثا، إذا سمعت التصفيق فابحث عن المستمتع، وإذا رأيت الصراخ ففتش عن المتضرر وإن لم تسمع صوتا ولا ركزا فابحث عن المستفيد من الصمت. فأي مصلحة قد مست أو هددت من قبل الفايد كي يكثر الهرج ويعلو العويل؟

 

يحاول كثير من أدعياء الفهم بمن فيهم الحكومة فرض من يكون المؤثر في زمن التواصل الرقمي الكوني، وفي كل حملة يخرجون لنا كائنات عجيبة مشوهة تذهب من المال العام بالملايين ومعها بما تبقى من عقل ومنطق وحياء وقيم مغربية لدى المتلقي المفترض. غير أن الفايد، ودون ادعاء، كرس نفسه نموذجا لمؤثر حقيقي يستطيع لوحده أن يحرك البرك الآسنة في حضرة اللهو والعبث وكل أشكال الخذلان والتتفيه الممنهج، فمن أين تأتي قوة خطاب هذا الرجل المغربي ذي توابل الشخصية  الشاوية الأصيلة؟

 

 مصادر القوة:

 

في ظني أن قوة الفايد نابعة من ثالوث لا يخفى على كل مغربي متشبع بهوية هذه الأمة وبعقل مفتوح على متغيرات العصر دون تنكر لانفتاح النص القرآني على كل الآفاق حاضرا ومستقبلا إلى نهاية الكون.

 

ــ يستند الفايد على خلفية مغربية قحة تمزج بين الانتماء إلى البادية مع حفظ متين للقرآن الكريم وضبط متون الثقافة المغربية بقواعدها العتيقة النابعة من المسجد والزاوية، مع استبسال في اللغة العربية الفصحى المسنودة بحس الانتماء إلى أرض الأمازيغ وبوعي تاريخي يقظ.

 

ــ التخصص الأكاديمي الصلب والمتنوع عبر التكوين في تخصصات علمية ليست في متناول كل من يناطحه، وقد ذهب فيها بعيدا في الجامعات الفرنسية والمغربية إلى سقف التحصيل حد الدكتواره، أي أنه أمضى عقودا من البحث في المختبرات وتدريس الطلاب.

 

ــ ميزة الاستقلالية، فهو متحرر من كل انتماء حزبوي ضيق قد يضيق عليه مساحات التفكير والتعبير بحيث قد يجبر على مراعاة عدم كسر الخواطر والأخذ بنظر الاعتبار فلانا أو علانا.

 

ــ خصلة القناعة، فلا يبدو الرجل لاهثا وراء مال أو مناصب، إذ لو أرادها مجتمعة لبقي في فرنسا أيام عز فرنسا ، وظل هناك خبيرا مرموقا، ولو كان “كلب مال” لانضم مبكرا لأي حزب وصار وزيرا يفكر مليون مرة قبل أن يضرط كلاما من خشب نتن.

 

ــ الانحياز للوطن/الدولة: رغم ما تعرض له من تهميش وحرمان مما كان يستحقه من مناصب ومسؤوليات رفيعة، لم يحقد الفايد على الدولة، وهو دائم الانحياز حد الاعتزاز بالملكية مع احترام معلن وهادئ غير متزلف لباقي مؤسسات النواة الصلبة للدولة.

 

السير منفردا:

 

وقد بدا لي مثيرا أن كثيرا من الذين يحسبون ذواتهم على “الصف الحداثي” ممن كانوا قبل عام يعتبرونه مهرطقا وعشابا تافها لم تنهض اغلبيتهم الساحقة لتقول كلمة إنصاف أو دعم وإسناد للرجل وهو يخوض معركة تحمل القرآن باليمنى وفي اليسرى لواء التنوير الذي طالما صدعونا به. و أستثني هنا من هؤلاء ذ.أحمد عصيد ود.رشيد آيلال فقط.

ولن يخفى عني ولا عن المنصفين كيف أن من كانوا يعدون الفايد بالأمس “ابنهم البار” لم يراعوا اليوم فيه إلا ولا ذمة، ولم يبالوا باحتضانه المصحف الشريف واعتصامه بحبله وهم لا يتورعون عن تكفيره.

إن الفايد يسير بوعي أو من دونه على درب الراحل الكبير المرحوم مصطفى محمود الذي خلخل الوعي المسلم لوحده وواجه “كحنوته” المحلي والعربي منفردا ولم ينكسر له قلم ولا خفت له صوت إلى أن لقي ربه.

ومن غريب ما حصل مع مصطفى محمود  ــ ويحصل بتعابير مغربية أيضا مع الفايد ــ أن المتدينين السلفيين ومعهم “الأزهر” اعتبروه منحرفا عن الدين والسنة وإجماع الأمة…بينما اليساريون رأوا فيه متدينا رجعيا متزمتا بعيدا عن روح العصر المادي.

قطعا، قدر الاستثنائيين أن يسيروا وحيدين في الطرق الوعرة تحت العواصف…طريقهم قاسية موحشة كما يتوهمها السطحيون..غير أنهم يمضون لا مبالين مستأنسين بنور العلم.. بحثا عن الحقيقة.

فاللهم ثبت أقدام كل عشاق الحقيقة.آمين.

 

 

 

 

 

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد