الشوارع
تعد التحولات الجيوسياسية الكبرى في منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، حافزاً قوياً يدفع الدول المستوردة للطاقة إلى إعادة النظر في أمنها القومي. وفي هذا السياق، يبرز المغرب كنموذج يسعى لتحويل هذه التهديدات العالمية إلى فرص استراتيجية ملموسة، من خلال تسريع وتيرة الانتقال نحو الطاقات المتجددة.
إن التأثير المباشر لأي صراع في مضيق هرمز أو منطقة الخليج ينعكس فوراً على استقرار أسعار البترول والغاز في السوق الدولية، وهو ما يجعل من “حرب الطاقة” الوشيكة دافعاً بنيوياً للمملكة المغربية لتعزيز استقلاليتها الطاقية وتقليص ارتهانها للخارج.
يرى الخبراء الاقتصاديون أن المغرب يتمتع بوضعية متقدمة بفضل رؤيته الاستباقية التي تبلورت في استراتيجية وطنية طموحة تستهدف الوصول إلى نسبة 52 في المائة من الطاقات المتجددة ضمن المزيج الكهربائي الوطني بحلول عام 2030. هذه الرؤية لم تكن وليدة الصدفة، بل هي نتاج توجيهات ملكية جعلت من الطاقية النظيفة خياراً سيادياً لا رجعة فيه.
ففي ظل الارتفاع الجنوني المتوقع لأسعار المحروقات نتيجة التوترات الدولية، يصبح الاستثمار في الرياح والشمس ليس مجرد ترف بيئي، بل ضرورة اقتصادية ملحة لحماية الميزان التجاري المغربي من نزيف العملة الصعبة الموجهة لاستيراد الوقود الأحفوري.
إن وعي الدولة المغربية بضرورة التسريع، كما يشير المحلل الاقتصادي عبد الخالق التهامي، ينبع من حقيقة كون المملكة بلداً مستورداً للطاقة التقليدية، مما يجعل التحول نحو البدائل المتجددة حتمية وجودية.
وبالرغم من أن الضغوط الدولية تحفز على الاستعجال، إلا أن هناك ضوابط تقنية وزمنية تحكم هذا الانتقال؛ فبناء المحطات الضخمة مثل “نور ميدلت” يتطلب فترات زمنية ممتدة للتشغيل والتجربة، مما يعني أن الرهان المغربي هو رهان بعيد المدى يهدف إلى بناء “يقظة استراتيجية” تضمن استمرارية الإمدادات حتى في أحلك الظروف السياسية العالمية.
من جهة أخرى، فإن الانتقال الطاقي يفرض ضغطاً إيجابياً على المنتجين والمستثمرين لابتكار حلول تمويلية وتقنية متطورة. ولا يقتصر الطموح المغربي على المصادر الشمسية والريحية فحسب، بل يمتد ليشمل تنويع مسارات التزود بالغاز الطبيعي عبر مشاريع قارية عملاقة، على رأسها أنبوب الغاز الذي يربط نيجيريا بالمغرب ومنه إلى أوروبا.
هذا المشروع ليس مجرد خط أنابيب، بل هو “شريان جيوسياسي” يهدف إلى تحرير المنطقة من التبعية لمسارات الغاز التقليدية المرتبطة بمناطق التوتر والنزاع، مثل مضيق هرمز أو البحر الأحمر، مما يمنح الرباط قدرة تنافسية هائلة في السوق الدولية.
إن التحديات التي تفرضها الأزمات الدولية، ورغم صعوبتها، تظل المحرك الأساسي لتطوير المنظومة الطاقية المغربية لتصبح أكثر مرونة وقوة. فالتزام المملكة بتسريع المشاريع الكبرى يعزز من مكانتها كمنصة إقليمية للطاقة الخضراء، ويؤكد أن الأمن الطاقي هو الركيزة الأساسية للاستقلال الاقتصادي.
في نهاية المطاف، فإن نجاح المغرب في الموازنة بين الضوابط التقنية والزمنية وبين الحاجة الملحة للسرعة في الإنجاز، سيجعل منه أحد أكبر الرابحين استراتيجياً من التحولات الكبرى في موازين القوى العالمية، مؤمناً بذلك مستقبلاً مستداماً للأجيال القادمة بعيداً عن ألسنة نيران الحروب البعيدة وتداعياتها الاقتصادية.
