الأطلس الصغير بالمغرب: أقمار صناعية تكشف خبايا ثروات معدنية
نواة آيت عبد الله: مهد الصخور القديمة بتارودانت
في خطوة علمية تعزز مكانة المغرب كوجهة استراتيجية للتعدين في شمال إفريقيا، كشفت دراسة حديثة نُشرت في أواخر عام 2025 بمجلة “ساينتيفيك ريبورتس” (Scientific Reports) التابعة لمجموعة “نيتشر” الدولية، عن تفاصيل بنيوية ومعدنية غير مسبوقة في منطقة الأطلس الصغير الغربي.
ركزت الدراسة على نواتي كَردوس وآيت عبد الله، مؤكدة أنهما تمثلان قلب المغرب المعدني النابض، خاصة في ظل التنافس العالمي المحموم على موارد النحاس والمعادن الاستراتيجية.
- ثورة الاستشعار عن بعد: دقة “لاندسات” وقوة “الرادار”
تجاوز البحث الأساليب التقليدية المجهدة، حيث اعتمد الفريق البحثي (المكون من خبراء مغاربة ودوليين) على دمج بيانات بصرية ورادارية متطورة:
- قمر لاندسات 8 (Landsat 8 OLI): تم تحليل صور ملتقطة في أغسطس 2023، تتميز بدقة طيفية عالية مكنت من التمييز بين أنواع الصخور المعقدة مثل “الكوارتزيت” و”الگابرو”.
- رادار سنتينيل 1 (Sentinel-1): استُخدمت بيانات ديسمبر 2023 بالاستقطاب (VH) لرسم الخرائط البنيوية، حيث أثبت الرادار كفاءة فائقة في اختراق التضاريس وإظهار الفوالق والكسور الأرضية التي تختبئ فيها السوائل المعدنية.
- نواة آيت عبد الله: مهد الصخور القديمة بتارودانت
تعد نواة آيت عبد الله (إقليم تارودانت) بمثابة “متحف جيولوجي” حي، حيث أوضحت الدراسة ما يلي:
- التكوين: تضم أقدم الصخور في الأطلس الصغير التي تعود للعصر الباليوپروتيروزوي.
- الغطاء الرسوبي: تتغطى هذه الصخور بسلاسل من العصر النيوپروتيروزوي، وهي الوحدات التي تحتضن تمعدنات النحاس الرئيسية.
- المواقع الاستراتيجية: تبرز منطقة “تازالاغت” كأحد أهم المواقع التي لا تزال تجذب استثمارات كبريات شركات التنقيب العالمية.
- نواة كَردوس: التعقيد التكتوني والفرص الواعدة
بالمقابل، أظهرت النتائج في نواة كَردوس (إقليم سيدي إفني) تعقيداً جيولوجياً فريداً:
- التنوع الصخري: تتداخل فيها صخور “الشيست” و”الگرانيت” مع طبقات بركانية ورسوبية سميكة تصل إلى 2000 متر.
- المؤشرات المعدنية: كشفت صور الأقمار الصناعية عن وجود “برشيات رسوبية” ورواسب طينية حديثة ترتبط غالباً بوجود خزانات معدنية اقتصادية في المواقع الشهيرة مثل “أكوجكال” و”وانسيمي”.
- تحليل المكونات الرئيسية (PCA): دقة تصل إلى 94%
استخدم الباحثون تقنيات معالجة رقمية متقدمة لتنقية الصور من التشويش الجوي والإشعاعي. وقد أظهر تحليل المكونات الرئيسية (PCA) نتائج مذهلة:
- المكون الأول (PC1) فسر وحده 94% من التباين الطيفي في آيت عبد الله، مما يؤكد دقة الخرائط الليتو-بنيوية التي تم إعدادها.
- سمحت هذه التقنية بفرز دقيق للمعادن المصاحبة للنحاس، مما يقلل من مخاطر وكلفة الاستكشاف الميداني التقليدي.
- الفوالق التكتونية: “الطرق السريعة” للمعادن
أكدت الدراسة وجود ارتباط وثيق بين الاتجاهات التكتونية وتمركز المعادن:
- في آيت عبد الله: يهيمن اتجاه (شمال شرق – جنوب غرب)، وهو المسؤول عن توجيه العروق المعدنية.
- في كَردوس: يبرز اتجاه (شمال غرب – جنوب شرق)، مرتبط بعروق “گابروية” قديمة وتداخلات صخرية من نوع “التروندجيميت”.
هذه “الخطيات البنيوية” التي استخرجتها الأقمار الصناعية هي بمثابة خرائط كنز للمستثمرين، حيث تحدد بدقة أماكن تمركز العروق المعدنية تحت سطح الأرض.
الخلاصة: تحقق ميداني ناجح
لم تكتفِ الدراسة بالتحليل الرقمي، بل شملت عملاً ميدانياً في مناطق “تيغرت” و”إيزونيدن”، حيث تطابقت المشاهدات الحقلية مع الصور الفضائية بنسبة مذهلة.
إن هذا التقدم العلمي يضع المغرب في صلب الدينامية الدولية للبحث الجيولوجي، ويؤكد أن الأطلس الصغير لا يزال يخفي الكثير من أسراره المعدنية التي بدأت التكنولوجيا الحديثة في كشف لثامها، مما يفتح آفاقاً جديدة للتنمية المنجمية المستدامة والرشيدة.
