أحمد الجـــلالي
لم يكن مستغربا عدم تردد البرلمانيين في التصفيق مطولا بمجرد أن دعا الملك في خطابه ليوم أمس الجمعة إلى الرفع من الدعم العمومي للأحزاب، ولن يكون الأمر مستغربا حين انهمر العالم الافتراضي/ الواقعي الموازي لواقعنا بالتساؤل: هل تستحق هذه الأحزاب أي دعم أصلا، هي التي صارت عالة على الشعب وعلى الدولة وعلى نفسها، بكلفتها الباهظة دون ماليا وسياسيا وأخلاقيا.
وهنا، وجب البحث عن الفهم الحقيقي لفلسفة الدعم العمومي للأحزاب، وقبل ذك الانتباه لمنطوق الخطاب الملكي بهذا الخصوص.
الدعم الذي دعا إليه الملك جاء عاما ولم يتحدث عن نسبة معينة، وفي نفس الوقت نص على ضرورة تخصيص جزء منه لفائدة الكفاءات التي توظفها، في مجالات التفكير والتحليل والابتكار. وهنا لابد للفاعل الحزبي، لا السياسوي، أن يعلم أن النسبة التي ستخصص للتوظيف في مجال الابتكار و التحليل ستخصم من مجموع الدعم المخصص لكل هيئة سياسية على حدة، وليس من النسبة التي ستنضاف إلى الدعم المعروف سابقا.
إنه دعم مشروع بالتوظيف النوعي للكوادر المغربية المستقطبة لكي تصبح الأحزاب مشتلا لتفريخ العقول والكوادر و الكفاءات والأدمغة التي ستصبح لاحقا النخبة التي تصدرها الأحزاب للمركز كي تشكل رجال الدولة الصادقين الذين قال الملك وألح على أن المغرب يحتاجهم.
ولكي لا يسل لعاب “السادة النواب و السيدات النائبات” ظنا منهم أن الأمر يتعلق بفريسة ريعية أخرى سقطت من السماء، فقد أيقظهم الملك بجملة تفصيلية توضيحية “إننا حريصون على مواكبة الهيآت السياسية، وتحفيزها على تجديد أساليب عملها، بما يساهم في الرفع من مستوى الأداء الحزبي ومن جودة التشريعات والسياسات العمومية”.
أيها التلاميذ الكسالى هل سمعتم الهدف من هذا الدعم؟ إنه تجديد أسلوب العمل ورفع الأداء لتجويد التشريعات و السياسات العمومية.
الآن، تعالوا نصنف “الفهامات الأخرى” للدعم الإضافي للأحزاب والذي سيؤديه لهم طبعا دافعو الضرائب، الذين هم أنت وأنا و الآخرون والأخريات، الذين ليسوا غير الكتلة الناخبة والمقاطعة معا.
يعتقد السواد الأعظم من الكائنات الحزبية التي أغلبها انتهازي بلا شك جاء من مختلف الأصقاع ليرتع في قصعة العمل الحزبي لتحقيق الأغراض الشخصية السريعة و الوصل إلى المناصب والمصالح والكراسي، ولا تهم الوسيلة المتبعة في ذلك. هذه الكائنات ترى أن مبرر وجود الوعاء الحزبي هو توفير البيئة الحاضنة لشراهتهم وخستهم ونذالتهم..أما الوطن…ههههه يقهقهون: عن أي وطن تتحدث يا صديقي؟ الوطن هو الموقع، والقرب من الزعيم، والتلذذ بما طاب، و توظيف الأحبة والمقربين، و افتراس الغنيمة بلا هوادة.
الوطن في مخيلتهم يا صديقي، ما هو إلا بقرة تحلب ورصيد يكبر و بطن ينتفخ وعقارات تنتشر شرقا وغربا..ومغفلون يستعملون أوراقا للتصويت وصناعة شرعيات تقل قيمتها عن “الشعريات” في الدكان لكنها تمكن من بلوغ الهدف.
بلا شك، فالصف الأول الحزبوي بدأ منذ انتهاء الملك من إلقاء خطابه، يفكر ويدبر ويمكر كيف سيصرف ويتصرف في هذا الدعم الجديد باسم التفكير والتحليل والابتكار. وسيصبح المقربون، مهما تفُهت شهاداتهم، أولى بالمناصب المحدثة ذات الأجور السمينة.
التفكير عند هذه الكائنات يعني المكر. والتحليل يعني صناعة الفتوى لـ”تحليل” ما هو محرم ديمقراطيا. و الابتكار رديف صناعة الحيل اللازمة للالتفاف على المطالب و المقاصد الأصلية للدعم العمومي.
ولإنقاذ الملايير التي ستصرف للأحزاب في هذا الاتجاه من أن تذهب سدى، أقترح على الدولة التالي، ولها و للشعب واسع النظر:
ــ عقد مناظرة وطنية علمية يحضرها الجميع لتحديد مفهوم الدعم و التحليل والابتكار وتجديد العمل الحزبي، وتشخيص احتياجات الأحزاب العقيمة لأية طاقات بشرية.
ــ أن يتم توظيف الكوادر البشرية عبر مباريات تجرى ويشرف على نزاهتها أكثر من طرف لضمان تكافؤ الفرص أمام أبناء الشعب، ومنع المحسوبية والمحزوبية، ولا بأي حال.
ــ اعتماد تقنية دفتر التحملات وفرضه على الأحزاب، لتصبح مثل فرق الكرة إن فشلت في الاستقطاب ونزلت عن مستوى معين وعتبة محددة تقصى من المنافسة، أي تحل نهائيا لأنها لم تعد تمثل نسبة ذات بال.
ــ أن يقدم الدعم بالتدريج وليس جزافا، ولا يتم تمكينهم من الدفعة الثانية إلا إذا أثبتوا نجاحهم في استثمار الدفعة التي قبلها وتحقيق الأهداف المسطرة لها.
تدوينة: ركن جديد ابن “رصي راسك”
“بودي أن أدفع ما أملك لأعرف الإحساس الحقيقي الذي جال بخاطر البرلمانيين وأعضاء الحكومة و كل من يتحملون المسؤولية من أقصاهم إلى “أقساهم”، وهم يسمعون الملك يقول إن المغرب ليس للانتهازيين وإن البلاد بحاجة إلى رجال دولة صادقين؟؟
www.achawari.com
