التدين في الفضاء الرقمي:مؤثرون ومواقع إفتاء إلكترونية
تحول المشهد : الدين ينتقل من المنبر إلى الشاشة
شهد العقدان الأخيران ثورة هائلة في كيفية وصول الناس إلى المعرفة الدينية وممارستها. لم يعد المسجد أو المؤسسة الدينية التقليدية هو المصدر الأوحد للتوجيه والإرشاد؛ بل أصبح الفضاء الرقمي مرتعاً خصباً للتدين، حيث تتدفق المعلومات الدينية عبر قنوات التواصل الاجتماعي، ومنصات الفيديو، ومواقع الإفتاء الإلكترونية.
هذه الظاهرة واسعة الانتشار، المعروفة باسم “التدين الرقمي” أو “الدين الأونلاين”، غيّرت بشكل جذري العلاقة بين المتلقي والمُفتي أو الواعظ. ومع صعود المؤثرين الدينيين (Religious Influencers) وتزايد الاعتماد على الإفتاء الإلكتروني، برزت تحديات وفرص جديدة.
تستعرض هذه المقالة المُعمقة كيفية ممارسة الدين وتلقي المعرفة الدينية في العصر الحديث، مُحللةً الإيجابيات الثورية التي وفرتها هذه المنصات، بالإضافة إلى السلبيات والمخاطر التي يجب الانتباه إليها عند البحث عن المعرفة الدينية عبر الإنترنت.
المرحلة الأولى: الإيجابيات الثورية للتدين الرقمي
أحدثت الرقمنة تحولاً ديمقراطياً في الوصول إلى المعرفة، خاصةً الدينية، ما أسفر عن فوائد جمة لم تكن متاحة في السابق.
- سهولة الوصول ونشر المعرفة
لقد تجاوزت المنصات الرقمية الحواجز الجغرافية والزمنية، مما جعل الدين متاحاً بضغطة زر.
- الوصول العالمي: يمكن للمسلمين في أي مكان بالعالم، وخاصة الأقليات التي لا تملك مراكز إسلامية قريبة، الوصول إلى فتاوى ودروس ومشايخ من ثقافات ولغات مختلفة.
- تخصيص المحتوى: يمكن للمتلقي اختيار المحتوى الديني الذي يتناسب مع اهتماماته الشخصية (الفقه، السيرة، التزكية، إلخ)، ومشاهدته في الوقت الذي يناسبه، بخلاف الدروس التقليدية ذات المواعيد الثابتة.
- الرد الفوري: تتيح مواقع الإفتاء الإلكترونية (مثل الشبكات التابعة للجامعات والمؤسسات الكبرى) تلقي الإجابات على الأسئلة الدينية المُلحّة في وقت قصير نسبياً، مما يخدم احتياجات المسلم المعاصر المُتسارعة.
- تمكين الفئات المهمشة وكسر العزلة
لقد وفر الفضاء الرقمي مساحة آمنة ومُمكنة لفئات كانت تجد صعوبة في الانخراط في المجالس الدينية التقليدية.
- المرأة: سهّلت المنصات الرقمية حصول المرأة على التعليم الديني العميق، حيث يمكنها الحضور والمشاركة والتساؤل دون قيود الاختلاط أو صعوبة التنقل.
- ذوو الإعاقة وكبار السن: فتحت لهم التكنولوجيا نافذة على العالم، حيث يمكنهم متابعة الدروس والمحاضرات وهم مرتاحون في منازلهم.
- التفاعل والمجتمع الافتراضي: خلقت المجتمعات الدينية الافتراضية شعوراً بالانتماء، حيث يمكن للمسلمين مناقشة القضايا الدينية وتبادل التجارب والتعبير عن الهوية الدينية عبر الإنترنت، مما يعزز التفاعل الديني الرقمي.
- قوة المؤثرين في التوعية
يستخدم بعض المؤثرين الدينيين الجدد المنصات لإيصال رسائل إيجابية وعصرية.
- ربط الدين بالحياة اليومية: ينجح المؤثرون في تقديم الدين كجزء حيوي وعملي من الحياة، مُستخدمين لغة الشباب ومُعالِجين قضايا معاصرة مثل الصحة النفسية، العلاقات الاجتماعية، والتحديات المهنية، مما يعزز التربية الدينية الرقمية.
- جذب الأجيال الجديدة: يتمتع المؤثرون بقدرة هائلة على جذب الأجيال الشابة التي تنفر من الأساليب التقليدية، من خلال مقاطع الفيديو القصيرة والمحتوى البصري الجذاب.
⚠️ المرحلة الثانية: السلبيات والمخاطر
مع كل هذه الإيجابيات، لا تخلو الساحة الرقمية من المخاطر التي تهدد سلامة المعرفة الدينية وفعالية التدين.
- ضحالة المعرفة وتسطيح الدين
إن طبيعة المنصات الرقمية—التي تفضل المحتوى السريع والمُكثف—تتعارض مع عمق العلوم الشرعية.
- الإيجاز المُخل: تؤدي الحاجة إلى إنتاج محتوى قصير ومُنتشر إلى اختزال القضايا الفقهية والاعتقادية المُعقدة في دقائق معدودة، مما يفقدها سياقها العلمي ويؤدي إلى سطحية المعرفة الدينية.
- المبالغة والمظهرية: غالباً ما يركز المؤثرون على الجاذبية البصرية أو القصص العاطفية على حساب المتانة العلمية، مما قد يُحوّل الدين إلى ممارسة سطحية أو عاطفية بحتة بدلاً من كونه نظاماً متكاملاً للعبادات والمعاملات.
- مشكلة التأهيل والشرعية
التحدي الأكبر يكمن في غياب معيار واضح للتأهيل العلمي في الفضاء الرقمي.
- من يُفتي؟ يمكن لأي شخص يمتلك هاتفاً ذكياً وشبكة اتصال أن يصبح “مُفتياً” أو “واعظاً” لديه ملايين المتابعين، بغض النظر عن تأهيله الأكاديمي أو الشرعية الدينية التي تمنحها المؤسسات التقليدية. هذا يؤدي إلى الإفتاء بغير علم أو الخلط بين الرأي الشخصي والحكم الشرعي.
- فقدان السند: يخلق الاعتماد على المؤثرين غير المُتخصصين فجوة بين المتلقي وسلسلة العلماء الراسخين (السند)، مما يُضعف الثقة في مصدر المعلومة الدينية على المدى الطويل.
- الانقسام والتطرف الرقمي
تُعد خوارزميات المنصات الرقمية سيفاً ذا حدين؛ فهي تُسهل الوصول، لكنها قد تُفضي إلى الانعزال والتطرف.
- فقاعات الترشيح: تُغذي الخوارزميات المستخدم بمحتوى يُشبه ما شاهده سابقاً، مما يخلق “فقاعات ترشيح” (Filter Bubbles) تُعزل الفرد عن الآراء والمدارس الفقهية المختلفة، وتُرسخ لديه رؤية واحدة قد تكون متطرفة أو مُغلقة.
- المواجهة والجدل: تُشجع طبيعة التفاعل في التعليقات على الجدل والمواجهة العلنية بدلاً من الحوار الهادئ والبحث العلمي، مما يُحوّل الاختلاف الفقهي إلى خلاف شخصي أو طائفي حاد.
- الخصوصية والاستغلال الاقتصادي
لقد أصبح الدين أحياناً سلعة في السوق الرقمية.
- الاستغلال التجاري: يحوّل بعض المؤثرين الدينيين تأثيرهم إلى مصدر دخل تجاري، حيث يتم دمج المحتوى الديني مع الترويج للمنتجات (الإعلانات المدفوعة)، مما يطرح تساؤلات حول أخلاقيات التدين الرقمي ونقاء الرسالة.
- قضايا الخصوصية: تتطلب بعض المنصات الدينية أو تطبيقات الإفتاء معلومات شخصية، مما يُثير مخاوف بشأن خصوصية البيانات الحساسة للمستخدمين.
المرحلة الثالثة: التنقل بذكاء في البحر الرقمي
لكي يستفيد المسلم من التدين الرقمي دون الوقوع في مخاطره، يجب عليه اتباع استراتيجية واعية.
نصائح للمتلقي الواعي
- تحقق من السند: يجب البحث دائماً عن مصادر الإفتاء الموثوقة، وهي عادةً المؤسسات الرسمية أو العلماء المعروفون بمسيرتهم الأكاديمية الطويلة والمتخصصون في علوم معينة.
- لا تكتفِ بالقصص: استخدم المؤثرين كـ “جسر” للوصول إلى كتب العلماء الموثوقين، ولا تجعل محتواهم القصير نهاية المطاف في طلب العلم.
- اطلب التنوع: تابع مصادر دينية متنوعة من مدارس فقهية مختلفة للحفاظ على منظور متوازن وتجنب الوقوع في فخ الفقاعة الرقمية.
- استشر المتخصصين للقضايا المعقدة: لا تعتمد على فيديو مدته دقيقتان لحل قضايا الطلاق، الميراث، أو المعاملات المالية المُعقدة. هذه تتطلب استشارة مُفتي أو عالم متخصص بشكل مباشر.
مستقبل التدين في عالم مُتصل
إن التدين في الفضاء الرقمي ظاهرة حتمية. إنها امتداد طبيعي للحياة الحديثة، وهي تقدم فرصاً لا تُعوض لنشر الإسلام وتسهيل المعرفة على نطاق عالمي غير مسبوق. ومع ذلك، فإن هذه الثورة الرقمية تضع عبئاً أكبر على كاهل الفرد.
لم يعد المتلقي مجرد مستمع؛ بل أصبح مُحققاً، مُدقِقاً، ومُقيماً للمحتوى. إن الإيجابيات الكبيرة التي جلبها صعود المؤثرين الدينيين ومواقع الإفتاء الإلكترونية لا يمكن إنكارها، لكن الاستفادة الحقيقية منها تتطلب وعياً عميقاً بمخاطر سطحية المعرفة الدينية وغياب التأهيل.
يجب على المؤسسات الدينية التقليدية أن تتكيف وتستغل الأدوات الرقمية بفعالية أكبر، مُقدمةً المحتوى العلمي الرصين بلغة العصر. وفي الوقت نفسه، يجب على المتلقي أن يتذكر أن عمق الدين لا يمكن اختزاله في مقطع فيديو قصير أو منشور جذاب. إن مستقبل التدين السليم يكمن في تحقيق التوازن بين سرعة الوصول الرقمي وعمق المنهج العلمي التقليدي.
