الهيدروجين الأخضر: التكنولوجيا قاطرة للتحول الطاقي بشمال أفريقيا

منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على مفترق طرق الطاقة

كانت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA) ما تزال مرادفاً موضوعيا للنفط والغاز. ومع ذلك، تشهد المنطقة اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً، مدفوعاً بالضرورة البيئية والجدوى الاقتصادية للتكنولوجيات المتجددة. إن الانتقال من الاعتماد على الوقود الأحفوري إلى تبني مصادر الطاقة المتجددة ليس مجرد خيار، بل هو مسار حتمي لضمان الأمن الطاقي والتنافسية العالمية.

في قلب هذا التحول يكمن استخدام تكنولوجيتين رئيسيتين: الطاقة الشمسية الكهروضوئية بوصفها مصدراً أولياً غزيراً، والهيدروجين الأخضر بوصفه ناقلاً للطاقة المستقبلية. تستعرض هذه المقالة كيف تعمل التكنولوجيا كقاطرة حقيقية لـالتحول في قطاع الطاقة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

 

  الكنز الدفين في المنطقة

تمتلك منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ميزة تنافسية لا مثيل لها: إشعاع شمسي وفير ومساحات شاسعة غير مستغلة. هذا المورد الطبيعي هو الأساس الذي تبنى عليه الثورة الخضراء في المنطقة.

1. وفرة الموارد وتناقص التكلفة

تتمتع معظم دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمعدلات إشعاع شمسي عالية جداً، تصل إلى أكثر من 2000 كيلوواط ساعة لكل متر مربع سنوياً. بالتوازي مع هذا الوفر، شهدت تكلفة تكنولوجيا الطاقة الشمسية الكهروضوئية انخفاضاً حاداً ومستمراً على مدى العقد الماضي. هذا الانخفاض يجعل الطاقة الشمسية الآن واحدة من أرخص مصادر توليد الكهرباء في المنطقة، وهو ما يدعم تحقيق التنمية المستدامة.

2. المشاريع العملاقة كنموذج (المغرب والإمارات والسعودية)

أطلقت عدة دول مشاريع عملاقة لتوليد الطاقة الشمسية، تثبت التزامها بهذا المسار:

  • المغرب (مركب نور): أكبر مجمع للطاقة الشمسية المركزة (CSP) في العالم، والذي يمثل علامة فارقة في توليد الطاقة النظيفة.
  • الإمارات والسعودية: تستثمران في محطات ضخمة للطاقة الكهروضوئية، مثل محطة الظفرة في أبو ظبي، بهدف تلبية جزء كبير من احتياجاتهما من الكهرباء عبر المصادر المتجددة.

هذه المشاريع لا تولد الكهرباء فحسب، بل تبني الخبرات المحلية وتشجع على نقل التكنولوجيا.

 

  الهيدروجين الأخضر – ناقل الطاقة للمستقبل

الاعتماد على الطاقة الشمسية يحل مشكلة التوليد، لكنه يترك تحدي التخزين والنقل. هنا يأتي دور الهيدروجين الأخضر بوصفه الحل الأمثل. يتم إنتاج الهيدروجين الأخضر عن طريق تحليل الماء بالكهرباء (التحليل الكهربائي) باستخدام كهرباء مولدة من مصادر متجددة (كالطاقة الشمسية والرياح).

1. تحويل الطاقة الشمسية إلى طاقة قابلة للتصدير

تتمثل الميزة التنافسية للهيدروجين الأخضر للمنطقة في قدرته على تحويل الطاقة الشمسية الفائضة، التي يصعب تخزينها، إلى وقود سائل أو غازي يمكن نقله وتصديره بسهولة إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية المتعطشة للطاقة النظيفة. هذا يضمن استمرار دور المنطقة كـمُصدر للطاقة، ولكن بطاقة خضراء.

2. ريادة المغرب وعمان في سباق الهيدروجين

أعلنت دول مثل المغرب وعمان عن استراتيجيات طموحة لإنشاء “اقتصاد الهيدروجين الأخضر”.

  • المغرب: يهدف إلى أن يصبح أحد أهم المنتجين والمصدرين العالميين للهيدروجين ومشتقاته (الأمونيا الخضراء والميثانول الأخضر)، مستغلاً قربه الجغرافي من أوروبا.
  • عمان: تعمل على تطوير مشاريع عملاقة مدعومة بالطاقة الشمسية والرياح لإنتاج الهيدروجين الأخضر، مستفيدة من بنيتها التحتية الحالية للنفط والغاز لإعادة استخدامها في النقل والتصدير.

3. التطبيقات الصناعية للهيدروجين الأخضر

لا يقتصر دور الهيدروجين الأخضر على التصدير فقط، بل هو ضروري لـإزالة الكربون من الصناعات المحلية الثقيلة، مثل:

  • صناعة الأسمدة: عبر استخدام الأمونيا الخضراء بدلاً من الأمونيا التقليدية.
  • قطاع النقل البحري والجوي: عبر استخدامه كوقود نظيف للمستقبل.

 

  التكنولوجيا كقاطرة للتحول الاقتصادي

التحول في قطاع الطاقة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ليس مجرد مشروع بيئي، بل هو استثمار اقتصادي وتكنولوجي ضخم.

1. البنية التحتية والشبكات الذكية

تتطلب الكميات الهائلة من الطاقة المتجددة المتقطعة (الشمسية والرياح) استثمارات ضخمة في تطوير الشبكات الذكية (Smart Grids) وتقنيات التخزين. تسمح هذه الشبكات المتقدمة بإدارة تدفق الطاقة بفعالية أكبر، مما يضمن استقرار إمدادات الكهرباء رغم تقلبات التوليد.

2. خلق فرص عمل جديدة وتوطين التكنولوجيا

يساهم هذا التحول في خلق اقتصاد معرفي جديد يركز على تكنولوجيا الطاقة النظيفة، مما يوفر فرص عمل للشباب في مجالات الهندسة، والذكاء الاصطناعي، وتصنيع مكونات الطاقة المتجددة، وبالتالي دعم النمو الاقتصادي غير المعتمد على النفط.

 

  مستقبل أخضر لمنطقة  MENA

تثبت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أنها أكثر من مجرد مستودع للوقود الأحفوري؛ بل هي مركز عالمي صاعد للطاقة المتجددة. إن الاستثمار الاستراتيجي في تكنولوجيات مثل الطاقة الشمسية الكهروضوئية لإنتاج الكهرباء وتطوير الهيدروجين الأخضر كناقل طاقة فعال يضع المنطقة في موقع الريادة العالمية في مجال إزالة الكربون.

التكنولوجيا ليست مجرد أداة، بل هي القاطرة التي تقود المنطقة نحو مستقبل مستدام، وتعزز الأمن الطاقي الإقليمي، وتضمن استمرار دورها المؤثر في مشهد الطاقة العالمي لعقود قادمة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد