حرب الرادارات والمسيرات وعض الأصابع: من سيصرخ أولاً أمريكا أم إيران؟

حكمة تقنية: الجيوش التي لا ترى... لا يمكنها القتال

الشوارع

تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولاً دراماتيكياً في قواعد الاشتباك، حيث لم يعد الصراع يقتصر على المواجهات المباشرة أو الوكلاء، بل انتقل إلى “حرب العيون والآذان”. نحن الآن بصدد صراع تكنولوجي وجودي يُعرف بـ “حرب الرادارات”، حيث تحاول طهران كسر التفوق الجوي الأمريكي من خلال استهداف شبكات الإنذار المبكر، بينما تسعى واشنطن للحفاظ على مظلتها الدفاعية في بيئة باتت مشبعة بالمسيرات الانتحارية والصواريخ الفرط صوتية. إنها لعبة “عض الأصابع” الكبرى؛ فمن سيصرخ أولاً تحت وطأة التكاليف الباهظة والفجوات الأمنية؟

كم عدد رادارات أمريكا في الشرق الأوسط؟

تمتلك الولايات المتحدة شبكة رادارية هي الأكثر تعقيداً في العالم داخل النطاق الجغرافي للقيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM). وتتوزع هذه الشبكة على عدة مستويات:

  1. الرادارات الاستراتيجية الثابتة: وتتركز في القواعد الكبرى مثل قاعدة “العديد” في قطر، وقاعدة “الأمير سلطان” في السعودية، وقواعد في الكويت والأردن. يُقدر عدد المنظومات الرادارية الرئيسية الكبرى بأكثر من 40 منظومة متطورة، تتنوع بين رادارات مراقبة الأجواء بعيدة المدى ورادارات توجيه الصواريخ.
  2. رادارات منظومات “باتريوت” و”ثاد”: تنتشر عشرات البطاريات في دول الخليج والأردن والعراق، وكل بطارية تعتمد على رادار AN/MPQ-65 أو AN/TPY-2 المتطور.
  3. الرادارات العائمة والمحمولة جواً: تشمل طائرات “الأواكس” (AWACS) والرادارات الموجودة على متن المدمرات التابعة للأسطول الخامس في الخليج العربي والبحر الأحمر، وهي تعمل كعيون متحركة لسد الفجوات التي قد تتركها الرادارات الأرضية.

كم كلف بناؤها وما هي أهميتها العسكرية؟

تمثل هذه الشبكة استثماراً تكنولوجياً ومالياً هائلاً. تقدر التقارير العسكرية أن تكلفة إنشاء وصيانة هذه المظلة الرادارية في الشرق الأوسط تجاوزت 150 مليار دولار على مدار العقدين الماضيين.

  • التكلفة المادية: يبلغ سعر رادار واحد من طراز (AN/TPY-2) المستخدم في منظومة “ثاد” حوالي 500 مليون دولار، بينما تكلف صيانة شبكة الرادارات السنوية مليارات الدولارات نتيجة الظروف المناخية القاسية (الحرارة والغبار).
  • الأهمية العسكرية: تُعد هذه الرادارات “الجهاز العصبي” للوجود الأمريكي. بدونها، تصبح القواعد الأمريكية مجرد أهداف عمياء. هي المسؤولة عن:
    • رصد الصواريخ الباليستية الإيرانية منذ لحظة الإطلاق.
    • توجيه صواريخ الاعتراض لتدمير الأهداف في الجو.
    • تأمين الملاحة البحرية في مضيق هرمز وباب المندب.

كم دمرت منها إيران لحد الآن؟

تعتمد إيران استراتيجية “الإغراق” و”الاستنزاف”. خلال الأشهر الأخيرة، وبحسب ما سربته مصادر استخباراتية لصحف أمريكية، لم تنجح إيران في تدمير “شامل” للرادارات الكبرى، لكنها حققت “اختراقات نوعية”:

  • تعطيل الرادارات التكتيكية: استهدفت المسيرات الانتحارية الإيرانية (عبر حلفائها في المنطقة) رادارات قصيرة المدى ومنظومات تشويش في مواقع حدودية في العراق وسوريا والأردن.
  • استهداف “الرؤية” وليس “الهيكل”: تشير التقارير إلى أن إيران نجحت في إخراج ما لا يقل عن 5 إلى 7 مواقع رادارية تكتيكية عن الخدمة جزئياً خلال العام الأخير عبر هجمات منسقة، مما أجبر واشنطن على نقل رادارات من مناطق أخرى لسد الفغرات.
  • حرب الاستنزاف المالي: إيران تستخدم مسيرة تكلف 20 ألف دولار لإجبار رادار أمريكي على تفعيل صاروخ اعتراض يكلف 3 ملايين دولار، وهو تدمير من نوع آخر؛ تدمير الميزانية والمخزون.

هل نجحت إيران في إعماء الجيش الأمريكي؟

 تتحدث الصحف الأمريكية مؤخراً عن قدرة المسيرات الإيرانية على التحليق في “نقاط عمياء” (Blind Spots) لا تستطيع الرادارات الحالية رصدها بسهولة بسبب انخفاض مستوى طيرانها وصغر حجمها (بصمة رادارية منخفضة). هذا الفشل في الرصد المبكر لمسيرات استهدفت قاعدة “البرج 22” أو مواقع في أربيل يثبت أن “العين الأمريكية” لم تعد ترى كل شيء. إيران لم تعمِ الجيش الأمريكي تماماً، لكنها جعلت رؤيته “ضبابية”، مما يزيد من احتمالية الخطأ البشري أو التأخر في الاستجابة.

هل ستسيطر طهران على الجو بصواريخها؟

تطمح إيران للوصول إلى مرحلة “السيادة الجوية عبر الدفاع الأرضي والهجوم الصاروخي”. بامتلاكها لصواريخ فرط صوتية (مثل “فتاح”) ومسيرات “شاهد” المتطورة، تراهن طهران على:

  1. كسر هيبة “الباتريوت”: إذا استطاعت الصواريخ الإيرانية تجاوز الرادارات الأمريكية بشكل متكرر، فإن مفهوم “الحماية الأمريكية” للحلفاء سيتلاشى.
  2. فرض حظر جوي واقعي: من خلال نشر منظومات “باور 373” (التي تدعي أنها تتفوق على إس-300)، تحاول إيران منع الطائرات الأمريكية والإسرائيلية من التحليق بحرية قرب حدودها أو في الأجواء الحليفة لها.

ومع ذلك، يقول بعض الخبراء إن التكنولوجيا الأمريكية تمتلك ميزة “التحديث المستمر”. الصراع الآن هو صراع خوارزميات؛ فهل تتطور برمجيات الرادار الأمريكية أسرع من قدرة المسيرات الإيرانية على المناورة؟ الجواب متروك للأيام القادمة.

خلاصة

نعيش مرحلة “عض الأصابع” التكنولوجية. أمريكا تصرخ من التكلفة الباهظة والاستنزاف التقني، وإيران تصرخ من العقوبات والضغط العسكري. لكن في “حرب الرادارات”، المنتصر ليس من يمتلك الرادار الأكبر، بل من يمتلك القدرة على البقاء “غير مرئي” لفترة أطول. إذا استمرت إيران في تطوير تقنيات التخفي والتشويش، فقد تجد أمريكا نفسها مضطرة لإعادة تموضع استراتيجي شامل، لأن الجيوش التي لا ترى… لا يمكنها القتال.

 

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد